Arab
ووري جثمان الرئيس الجزائري ووزير الدفاع الأسبق اليمين زروال، اليوم الاثنين، في الثرى في مقبرة باتنة، شرقي الجزائر، حيث أوصى بدفنه هناك بدلاً من المقبرة الرسمية في العاصمة الجزائرية، بحضور رسمي وشعبي مهيب، عكس مستوى التقدير السياسي والشعبي لمكانة اليمين زروال باعتباره أحد أبرز الشخصيات الوطنية، إذ تولى مسؤوليات كبرى في الدولة وقاد البلاد خلال واحدة من أصعب مراحلها في تسعينيات القرن الماضي.
وأقيم لزروال موكب جنائزي رسمي وشعبي، بحضور الرئيس عبد المجيد تبون، وكبار المسؤولين في الدولة وأعضاء من الحكومة وقادة الجيش وشخصيات وطنية. وسار الموكب الجنائزي وسط مدينة باتنة، بمشاركة قياسية وحشود غفيرة من المواطنين الذين توافدوا من مختلف ولايات الوطن لإلقاء النظرة الأخيرة وتوديع أحد أبرز رجالات الجزائر في التسعينيات، حيث كان زروال قد قاد البلاد (1994-1999) في فترة بالغة الصعوبة، تميزت بتفاقم الأزمة السياسية والأمنية.
وأشاد المتحدث العسكري باسم أركان الجيش، اللواء مبروك سابع، في الكلمة التأبينية التي ألقيت خلال الجنازة، بمناقب الرئيس زروال الذي بدأ مساره "مجاهداً في ثورة التحرير، وأسهم بعد الاستقلال في تطوير الجيش، حيث كان قائداً لعدد من المؤسسات العسكرية"، مشيراً إلى أنه "قاد البلاد رئيساً للجمهورية في أصعب الظروف وتمكن من إدارة الدولة باقتدار مجنباً إياها الانهيار". وتلقى الرئيس الجزائري سلسلة برقيات تعازٍ من قادة ورؤساء وملوك دول عربية وشقيقة، بينهم الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، والرئيس الموريتاني محمد ولد الغزواني، والأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط وغيرهم.
وكان الرئيس الأسبق اليمين زروال قد توفي مساء أمس عن عمر ناهز 84 عاماً، بعد صراع مع مرض عضال، في المستشفى العسكري بالعاصمة الجزائرية. وكان آخر ظهور له خلال استقباله قبل فترة من قبل الرئيس تبون. وأقيمت لزروال المراسم الرسمية لإلقاء النظرة الأخيرة أمس في العاصمة الجزائرية، بينما أقيمت المراسيم الشعبية لإلقاء النظرة الأخيرة اليوم في باتنة، شرقي البلاد. وعدّت هذه الجنازة من بين الجنازات الرسمية والشعبية الكبيرة التي أقيمت لرؤساء وشخصيات بارزة في الجزائر حتى الآن. وتقرر إعلان الحداد وتنكيس الأعلام ثلاثة أيام.
وطبعت المسيرة العسكرية والسياسية للرئيس السابق مجموعة من المحطات المهمة، فقد التحق زروال بجيش التحرير في سن مبكرة، مشاركاً في الثورة الجزائرية، قبل أن يتلقى بعد الاستقلال تدريبات عسكرية في القاهرة وموسكو وباريس، وتقلد عدداً من المناصب العسكرية الرفيعة في الجيش، حيث أدار الأكاديمية العسكرية الجزائرية، وكان قائداً للقوات البرية في الجيش بأواخر الثمانينيات، قبل أن يقدم استقالته من الجيش عام 1989.
وفي عام 1993، وبعد دخول البلاد نفق الأزمة السياسية والأمنية، واستقالة وزير الدفاع السابق خالد نزار، عُيّن زروال وزيراً للدفاع، وسعى من خلال منصبه إلى فتح باب الحوار مع قادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ (حُلّت في مارس/آذار 1992)، قبل أن يُعيّن من قبل ندوة الوفاق الوطني التي ضمت الأحزاب والمنظمات الوطنية في نوفمبر/تشرين الثاني 1994 رئيساً للدولة بوصفه مرشحاً توافقياً، ليخلف الهيئة الرئاسية التي كانت تدير البلاد بعد استقالة الرئيس الشاذلي بن جديد في يناير/كانون الثاني 1992.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 1995، فاز زروال بأول انتخابات رئاسية تعددية، وحصل على نحو 61% من الأصوات، وسعى خلال ولايته إلى فتح قنوات الحوار مع المعارضة السياسية لإنجاز إصلاح المؤسسات الدستورية والتشريعية، وطرح في نوفمبر/تشرين الثاني 1996 دستوراً جديداً يحد من العهدات الرئاسية بعهدتين، كما استحدث غرفة ثانية للبرلمان، وسمح ذلك بالعودة إلى المسار التشريعي، حيث نظمت في أعقاب ذلك أول انتخابات نيابية منذ اندلاع الأزمة في البلاد.
ويُعد زروال الرئيس الذي اتخذ قرار إغلاق الحدود بين الجزائر والمغرب في نهاية عام 1994، في أعقاب قرار المغرب فرض التأشيرة على الجزائريين بعد التفجير الذي استهدف فندق أطلس آسني في مراكش، ومنذ تلك الفترة ظلت الحدود مغلقة حتى الآن. كما يُعرف بموقف سياسي تاريخي برفضه لقاء الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك في نهاية 1995 على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، بعد طلب شيراك أن يكون اللقاء غير معلن، وقال: "عندما تكون لشيراك الشجاعة للقاء علني سنلتقي".
وبعد ثلاث سنوات من الحكم، في سبتمبر/أيلول 1998، فاجأ زروال الطبقة السياسية والرأي العام في الجزائر بقراره تقليص عهدته وتنظيم انتخابات رئاسية مبكرة دون أن يترشح فيها، حيث جرت في إبريل/نيسان 1999، وسمحت بوصول عبد العزيز بوتفليقة إلى السلطة، حيث سلّم اليمين زروال السلطة وغادر الحياة السياسية، مفضلاً مواصلة العيش بمسقط رأسه بمنطقة الأوراس بولاية باتنة، وبقي بعيداً عن المشهد السياسي، حيث كان يرفض الدعوات للمشاركة في المراسم الرسمية للأعياد الوطنية التي كان يقيمها الرئيس السابق بوتفليقة.
وفي إبريل/نيسان 2019، عاد زروال إلى المشهد السياسي بشكل مفاجئ، ففي ذروة الحراك الشعبي، أقر بمشاركته في اجتماع بمدير المخابرات السابق الفريق محمد مدين في الضاحية الشرقية للعاصمة الجزائرية، لمناقشة فكرة كان قد طرحها سعيد بوتفليقة، شقيق الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، لإنشاء هيئة رئاسية تدير البلاد ويترأسها شخصياً، لكنه رفض المقترح، ونشر بياناً للرأي العام بذلك، وتمسك بحق الشعب في اختيار مصيره، ووصف الحراك بأنه "انفجار عظيم".
