من السويس إلى هرمز... هل تسقط الإمبراطورية؟
Arab
2 days ago
share
بدأت الحرب على إيران بسقوف عالية ووعود كبيرة، أميركية وإسرائيلية، توحي بإعادة تشكيل المشهد الإيراني، لكن الضربات الموجعة الأولى لم تكن كافيةً لتطويع إيران سريعاً، إذ استطاعت امتصاص الصدمة وإطالة أمد المواجهة ورفع كلفتها، ثم سحبت الحرب إلى منطقة أخرى أكثر تعقيداً، وأقلّ قابليةً للترجمة العملية المباشرة إلى أهداف سياسية. تقدَّم هدفٌ أكثر إلحاحاً: فتح مضيق هرمز ومعه ضمان تدفّق الملاحة ومنع اختناق الاقتصاد العالمي. ولم يأتِ التحدّي من قوة تقليدية مكافئة، بل من خصم أتقن إدارة التفاوت في موازين القوى. إذ طوّرت إيران نموذجاً مختلفاً للمواجهة، يقوم على الاستنزاف، والضغط غير المباشر، واستهداف النقاط الحسّاسة في منظومة القوة العالمية، وفي مقدّمها طرق الطاقة والتجارة. في هذا السياق، لم تعد الهيمنة العسكرية تكفي وحدها لحسم الصراعات. فالقدرة على تعطيل مضيق هرمز الحيوي (هل نشهد وضعاً مماثلاً في باب المندب؟) يفرض معادلاتٍ جديدةً تتجاوز الحسابات التقليدية للتفوّق العسكري، ويجعل المواجهة مفتوحةً على كلفة عالية، من دون توافر ضمانات حسم سريع، مع أن الأهداف المستجدة للحرب تتحقّق بأقلّ كلفة؛ بوقف الحرب لا باستمرارها. تستدعي لحظة مضيق هرمز حربَ السويس 1956 إلى الذاكرة. حينها أدركت بريطانيا (العظمى) أنّ العالم تغيّر من حولها، ومعه تغيّرت قدرتها على فرض إرادتها عالمياً، فكانت الحرب امتحاناً قاسياً لمكانة إمبراطورية خرجت من الحرب العالمية الثانية منهكة، وكانت موازين القوة الدولية تميل نحو واشنطن وموسكو. لم تقف إسرائيل يومها خارج المشهد، فدخلت الحرب مدفوعةً بحساباتها الأمنية التي تتصل بكسر الطوق المصري، ووقف عمليات الفدائيين، وتأمين الملاحة في خليج العقبة، لتضع نفسها في قلب هندسة سياسية وعسكرية أوسع أرادت إعادة الممرّ الاستراتيجي إلى قبضة الغرب بعد تأميمه. في حينه، انطلقت الحرب من حسابات البحار إلى الأمن الإسرائيلي، بينما تنتقل اليوم من حسابات الأمن الإسرائيلي إلى الحسابات البحرية، لوم يعد مسار الحرب الراهن ينسجم مع الرغبات الإسرائيلية كما رُسمت في البدايات، لكنّ ذلك لا يعني أنّ واشنطن غادرت الفضاء الإسرائيلي، وإنّما أصبحت بحاجة إلى إعادة ترتيب أولوياتها، والابتعاد نسبياً عن بعض الأهداف الإسرائيلية لمصلحة أهداف استراتيجية فرضها الميدان. وتبقى إسرائيل صاحبة النصيب الأوفر من المنافع التي يوّلدها الخراب الإقليمي. وإن كان في المقارنة مع السويس قدرٌ من المشروعية، فإنها تفترض أيضاً قدراً من الحذر المنهجي؛ فعالم اليوم لا يشبه العام 1956 حين كانت بريطانيا تنكفئ بينما تصعد الولايات المتحدة بوصفها الوريث الطبيعي للنفوذ الغربي، فلا تظهر اليوم في الأفق قوّةٌ جاهزةٌ تحلّ محلّ واشنطن بالوضوح نفسه. وعلى الرغم من ثقل الصين الاقتصادي (والعسكري) المتنامي، فما تزال بعيدةً عن حمل أعباء الدور الأميركي في الشرق الأوسط، أو أنّها لم تحسم بعد إن كانت تريد أصلاً أن تتحوّل إلى قوة تتولى حماية الممرّات وملء الفراغات الأمنية ودفع أثمان الحضور العسكري المباشر. لهذا يصعب الذهاب إلى استنتاجات متعجّلة عن "نهاية الإمبراطورية الأميركية" بسبب هرمز وحده. لكن غياب الوريث لا يمنع الإقرار بالتحوّلات، فأزمات الممرّات الكبرى إن لم تُنتج سقوطاً درامياً للإمبراطوريات، فإنها تُعيد تشكيل وظائفها وحدود قدرتها. وإذا كانت أزمة السويس قد كشفت لبريطانيا أنها لم تعد قادرةً على العمل إمبراطوريةً مستقلّة، فإنّ أزمة هرمز قد تكشف لواشنطن أنّها لم تعد قادرةً على إدارة الشرق الأوسط وفق نموذج هيمنة مفاده حضور عسكري كاسح، وضمان أمني مطلق، وتحكّم شبه منفرد بإيقاع الحرب والسلام والطاقة والملاحة. هنا بالضبط تكمن قيمة أيّ استعارة تاريخية. فالسويس لم تكن نهاية بريطانيا في لحظتها، بل بداية وعيها بأنّ العالم لم يعد يطيعها كما كان، وأنّ لحلفاء الأمس رأي آخر في شؤون اليوم. كانت لحظة السويس، بتوصيف متأخّر لوزير الخارجية الأميركي الأسبق دين آتشيسون (في خطاب له في 1962)، لحظةً لم تعد فيها بريطانيا "إمبراطوريةً، ولم تعثر بعد على دور"... قد لا تؤدّي لحظة هرمز إلى سقوط الإمبراطورية الأميركية، ولكن قد تعيد تعريف دورها، وهو التحدّي الماثل اليوم أمام "العقل" السياسي الأميركي، قبل أن يستفيق من جديد على حقيقة أميركية: مكاسب تكتيكية تنتهي خساراتٍ استراتيجيةً.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows