دول "ناتو" تتخطى عتبة إنفاق 2% للمرة الأولى وسط أزمة تعصف بالحلف
Arab
2 days ago
share
للمرة الأولى منذ تأسيسه، ينجح حلف شمال الأطلسي (ناتو) في تحقيق هدف طال انتظاره، إذ أظهر تقريره السنوي الأخير أن جميع الدول الأعضاء بلغت أو تجاوزت عتبة إنفاق 2% من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع بحلول عام 2025. لكن هذا الإنجاز، الذي احتفى به قادة الحلف بوصفه تحولاً تاريخياً في تقاسم الأعباء، لم يكن كافياً لتهدئة غضب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي واصل توجيه انتقادات حادة لحلفائه، معتبراً أن الناتو "لم يفعل شيئاً". التقرير، الذي نُشر الخميس، كشف عن قفزة كبيرة في الإنفاق الدفاعي الأطلسي بلغت نحو 20% مقارنة بعام 2024، ليصل إجمالي الإنفاق إلى 1.4 تريليون دولار، وفقا لصحيفة بروكسل تايمز. ووصف الأمين العام للحلف مارك روته، بحسب الموقع الرسمي للحلف، هذه الأرقام بأنها "دليل واضح على التقدم"، مؤكداً أن حلف ناتو "أصبح أقوى من أي وقت مضى". غير أن هذه اللغة المتفائلة لم تلق صدى في واشنطن، حيث بدا ترامب أكثر تشدداً، بل ومتشائماً، تجاه قيمة هذا التقدم. ففي تصريحات لافتة، قال ترامب إن الحلفاء "لن يهبوا لإنقاذنا أبداً"، مضيفاً أن ما جرى في الأشهر الأخيرة أثبت أن الحلف ليس الشريك الذي يمكن الاعتماد عليه في الأزمات الكبرى. وبالنسبة له، لم يكن ارتفاع الإنفاق الدفاعي كافياً، لأن "الاختبار الحقيقي" للتحالف لم يكن مالياً، بل سياسياً وعسكرياً، وقد فشل فيه الأوروبيون، وفق تعبيره. تصدّع التحالف: اختبار هرمز يكشف الخلافات جاءت هذه التصريحات في سياق تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين على خلفية الحرب على إيران، خاصة بعد اندلاع المواجهة والأزمة في مضيق هرمز. فقد رفضت عدة دول أوروبية، من بينها ألمانيا وبريطانيا، الانخراط المباشر عسكرياً في العمليات الأميركية- الإسرائيلية، معتبرة أن هذه الحرب لا تمس مصالحها المباشرة، وتحمل مخاطر اقتصادية وأمنية جسيمة، خصوصاً في ما يتعلق بإمدادات الطاقة. هذا الرفض الأوروبي لم يُقرأ في واشنطن بوصفه قراراً سيادياً مشروعاً، بل نوعاً من "التمرّد" على القيادة الأميركية. وذهب ترامب إلى أبعد من ذلك، حين وصف موقف الحلفاء بأنه "خطأ غبي"، بل واعتبره فشلاً في "اختبار الولاء"، ملوّحاً بعواقب سياسية داخل الحلف. ومع أن بعض الدول الأوروبية أبدت لاحقاً استعداداً للمساهمة في تأمين الملاحة في مضيق هرمز، فإن ترامب رفض هذه المبادرات، معتبراً أنها جاءت "بعد فوات الأوان"، وأن الحلفاء "يريدون الانضمام عندما تنتهي الحرب، لا عندما تبدأ". أزمة أعمق من الإنفاق: صراع على طبيعة الناتو غير أن الأزمة الحالية تتجاوز بكثير الخلاف حول الحرب على إيران، أو حتى مسألة الإنفاق الدفاعي ورفعها إلى 5%. فهي تعكس صراعاً أعمق حول طبيعة الحلف نفسه، ودوره في النظام الدولي. فمنذ سنوات، يدفع ترامب باتجاه إعادة تعريف الحلف، ليس بوصفه تحالفاً استراتيجياً قائماً على التضامن، بل منظومة أمنية مشروطة، تقوم على مبدأ "الدفع مقابل الحماية". وفي هذا الإطار، لم يتردد في التشكيك العلني في التزام الولايات المتحدة بالمادة الخامسة من ميثاق الحلف، التي تنص على الدفاع المشترك، بل لمّح صراحة إلى أن بلاده "قد لا تكون ملزمة بالدفاع" عن الحلفاء في بعض الحالات. في المقابل، ترى العواصم الأوروبية أن هذا المنطق يقوّض جوهر التحالف، ويحوّله من إطار جماعي للأمن المشترك إلى علاقة تعاقدية غير مستقرة. وبالنسبة لها، إن الانجرار إلى حروب لا تخدم مصالحها، فقط لإرضاء واشنطن، يهدد أمنها بدلا من أن يعززه. وتتغذى هذه الأزمة على سلسلة من التوترات المتراكمة خلال الفترة الماضية، من بينها اقتراح ترامب الاستحواذ على غرينلاند، التابعة للدنمارك، وهو ما اعتُبر في أوروبا تهديداً مباشراً لسيادة دولة عضو في الحلف. كما لم يتردد الرئيس الأميركي في السخرية من القدرات العسكرية لبعض الحلفاء، واصفاً إياها أحياناً بأنها "غير كافية" أو حتى "ألعاب"، ما عمّق الفجوة السياسية والشخصية بين القيادات. وفي الوقت نفسه، يواصل ترامب اتهام أوروبا بعدم تحمّل نصيبها العادل من الأعباء، رغم الأرقام التي تظهر ارتفاعاً غير مسبوق في الإنفاق الدفاعي. وهو ما يعكس، في نظر مراقبين، أن المشكلة لم تعد في الأرقام، بل في الرؤية الاستراتيجية للعلاقة عبر الأطلسي. في المحصلة، يبدو أن الناتو يقف اليوم أمام لحظة مفصلية في تاريخه. فبينما ترى الولايات المتحدة، في ظل قيادة ترامب، أن الحلف يجب أن يخضع لأولوياتها الاستراتيجية، تسعى أوروبا إلى ترسيخ قدر أكبر من الاستقلالية، خاصة في ما يتعلق بقرارات الحرب والسلم. هذا التباين لا يهدد فقط وحدة الحلف، بل يطرح تساؤلات أوسع حول مستقبل النظام الغربي برمّته. فهل يبقى الحلف تحالفاً متماسكاً يقوم على الشراكة والتوازن، أم يتحول إلى أداة تخدم مصالح القوة الأكبر فيه؟ الإجابة عن هذا السؤال لا تزال مفتوحة، لكن ما بات واضحاً هو أن تحقيق هدف الـ2%، رغم رمزيته وأهميته، لم يعد كافياً لضمان تماسك التحالف. ففي ظل تصاعد الأزمات الدولية وتباين الأولويات، تبدو العلاقة عبر الأطلسي أكثر هشاشة من أي وقت مضى، ما ينذر بمرحلة جديدة يعاد فيها رسم حدود النفوذ والتحالفات في العالم.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows