مستقبل الحرب على إيران وتداعياتها على القضية الفلسطينية
Arab
5 days ago
share
بمجرد بدء الحرب على إيران كان السؤال الأكثر حضورًا في فلسطين عمومًا، وقطاع غزّة خصوصًا، ما الذي يُمكن أن يحدث وما تداعيات هذه الحرب على القضية الفلسطينية ومكوناتها؟ قبل الذهاب إلى التداعيات في قالبها السياسي والاستراتيجي، لوحظ أنّه بعد ساعات فقط من بدء الحرب على إيران بدأت التداعيات الإنسانية تتبلور في قطاع غزّة، و كانت تلك مفارقة تداولها النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي "الحرب على إيران والشُح في غزّة"، إذ اختفت السلع والمواد الغذائية بالكامل، وأغلقت المعابر بما فيها معبر رفح، وتبخر غاز الطهي والوقود؛ وبدأ الناس يستذكرون أيام المجاعة وكوابيس عودتها. وعليه تقدمت التداعيات الإنسانية، وهي الأهم بالنسبة لأكثر من مليون نازح في الخيام بقطاع غزّة، على التداعيات السياسية التّي نستحضرها في التالي: بدأت علاقة إيران بالقضية الفلسطينية تتحول باتجاه التقارب والاستدارة الرسمية والشعبية منذ اندلاع الثورة الإسلامية عام 1979م، وتحديدًا العلاقة مع منظّمة التحرير وياسر عرفات، ولكن الأهمّ في تلك العلاقة هو تلك التداعيات التّي أفضت إليها الثورة الإسلامية الإيرانية في حالة الاشتباك الفلسطينية، بمعنى أن هناك علاقة تأثر حدثت بين الثورة في إيران وبين صحوة التيار الإسلامي الفلسطيني المقاوم ممثلًا في حركتي حماس والجهاد الإسلامي، الشاهد في ذلك أنّه رغم بُعد المسافة الجغرافية بين فلسطين وإيران فإن ذلك لا ينفي وجود علاقة تأثر، وبالتالي فإن الحرب على إيران مهما كانت نتائجها ستُفضي إلى جملة تداعيات في مسار القضية الفلسطينية وحيثياتها. أحد أهمّ التداعيات التي أفضت إليها الحرب على إيران هو تعطيل الذهاب إلى المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهروب إسرائيل من استحقاقات اتّفاق الهدنة الموقع في شرم الشيخ، واستمرار الخروق الإسرائيلية، وقد وظفت إسرائيل انشغال العالم وإعلامه بالحرب على إيران فواصلت عمليات القصف والنسف والاغتيالات والإغلاقات والحصار في قطاع غزّة، حتّى تجاوز عدد الشهداء في قطاع غزّة خلال الأسبوع الأخير من شهر رمضان فقط الـ32 شهيدًا. انتهاء الحرب من دون شروط وحسم، ومن دون تحقيق الأهداف الأميركية والإسرائيلية المُعلنة، وبقاء النظام الإيراني والقدرات العسكرية الإيرانية؛ هذا السيناريو سيمثّل رافعةً معنويةً لفصائل المقاومة الفلسطينية ثمّ استدارت إسرائيل للاستفراد بالضفّة الغربية من ضمّ واستيطان وتهويد، حتّى وصل الأمر إلى إغلاق المسجد الأقصى ومنع الصلاة فيه لأوّل مرّة؛ وذلك في العشر الأواخر من شهر رمضان الكريم؛ هذا الإغلاق ومنع الصلاة في الأقصى كان حدثًا كفيلًا بتفجير المشهد فلسطينيًا وإسلاميًا. وفي الأسبوع الأخير من شهر رمضان أيضًا أعدمت إسرائيل عائلةً كاملةً بإطلاق ما يزيد عن 70 رصاصة على مركبتهم في بلدة طمون جنوب مدينة طوباس. لكن؛ جعل الانشغال بالحرب على إيران الأحداث في قطاع غزّة والأقصى والضفّة الغربية تمر مع الاكتفاء بالشجب والإدانة والاستنكار. وقد حدث ما كان يخشاه الشعب الفلسطيني من أن يؤدي انشغال العالم والمجتمع الدولي بالحرب على إيران إلى تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية، وجرائم الحرب والإبادة الإسرائيلية المستمرة والمتواصلة في القطاع والضفّة والقدس. يقتضي الحديث عن التداعيات استدعاء السيناريوهات المحتملة، فلكل سيناريو تبعاته وتداعياته، وبالتالي فإنّ تداعيات الحرب على إيران على القضية الفلسطينية وفق السيناريوهات الممكنة والمتوقعة والمستبعدة يمكن إيجازها في التالي: السيناريو الأوّل: استمرار الحرب على إيران دون توقف، بمعنى آخر قد تطول الحرب وتتجاوز الأسابيع والشهور، ولكن بوتيرة مختلفة لجهة تبادل الضربات والهجمات، وتداعيات هذا السيناريو تراجع حضور القضية الفلسطينية في الأجندات الأميركية والدولية، وتعطيل تنفيذ مراحل خطة الرئيس ترامب؛ وبالتالي استمرار استفراد إسرائيل ومواصلة خروقها واعتداءاتها ومخططاتها؛ التهويد في القدس، والضمّ في الضفّة الغربية، والتهجير وتعطيل الإعمار، واحتلال ما يزيد عن 56% من قطاع غزّة. السيناريو الثاني: انتهاء الحرب من دون شروط وحسم، ومن دون تحقيق الأهداف الأميركية والإسرائيلية المُعلنة، وبقاء النظام الإيراني والقدرات العسكرية الإيرانية؛ هذا السيناريو سيمثّل رافعةً معنويةً لفصائل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزّة، وقد يُلجم التغول الإسرائيلي في الضفّة والقطاع، ولاحقّا قد يُفضي إلى إسقاط حكومة نتنياهو لأنّها لم تنتصر وتحسم المعركة، ونظراً إلى ارتفاع تكلفة الحرب السياسية والاقتصادية والبشرية، وبالتالي فإنّ شروط التفاوض وإعادة الإعمار، والانتقال إلى المرحلة الثانية ستكون أفضل ومن دون تعنت إسرائيلي وهروب من الاستحقاقات؛ وستعمل فصائل المقاومة الفلسطينية على توظيف هذا السيناريو في ما يتعلق بالتعاطي مع لجنة التنكوقراط، وفرض الأمر الواقع وفق الرؤية الأميركية. السيناريو الثالث: انتهاء الحرب باتّفاق مشروط بين إيران والولايات المتّحدة تكون أحد شروطه وقف دعم وتمويل فصائل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزّة، وقطع أيّ علاقة بها، قد يبدو هذا السيناريو مستبعدًا ويتعارض مع مبادئ الثورة الإسلامية في إيران، لكن قد يُمرر هذا الشرط إذا ضمن وقف الحرب، وتخلت واشنطن عن شرطي البرنامج النووي والبرنامج الصاروخي لإيران؛ حدوث هذا السيناريو سيُفضي إلى فك الارتباط بين فصائل المقاومة في غزّة وإيران، وبالتالي ستتأثر عمليات المقاومة وخياراتها وأدواتها، وستكمل إسرائيل الاستفراد بالقطاع، وستمضي بمخططاتها وباستنزاف المقاومة بشريًا وعسكريًا. قد تحدث سيناريوهات أخرى مختلفةٌ؛ مثل نجاح واشنطن وتل أبيب في التحشيد المضاد داخل إيران وإسقاط النظام بالانقلاب عليه من الداخل، هذا سيناريو غير متوقع لكنه غير مستبعد، إذا اختلفت ظروف الحرب ومدتها وحدث اختراق ما لمكونات النظام، وإن حدث ف سيؤثر هذا السيناريو بالسلب على المقاومة الفلسطينية. حدث ما كان يخشاه الشعب الفلسطيني من أن يؤدي انشغال العالم والمجتمع الدولي بالحرب على إيران إلى تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية، وجرائم الحرب والإبادة الإسرائيلية المستمرة والمتواصلة في القطاع والضفّة والقدس في كلّ الحالات والسيناريوهات فإن الحرب على إيران ليست حربًا هامشيةً، وبالتالي لن تكون تداعياتها تقليديةً، وستؤثر مخرجات الحرب وتداعياتها على خريطة التفاعل في النظام الدولي ككل، إما لجهة لجم التغول الأميركي الإسرائيلي وتهديده للسلم والأمن الدوليين إذا صمدت إيران، أو لجهة تمدد هذا التغول إذا خسرت إيران الحرب؛ وفي كلا الحالتين فإن القضية الفلسطينية في المركز وعين العاصفة من تلك التبعات كلّها، التّي ستضع مطلب نزع سلاح المقاومة في قطاع غزّة على المحك. إن مركزية القضية الفلسطينية جعلتها تاريخيًا تتأثر بأيّ متغير تشهده المنطقة والعالم؛ وتداعيات موقف منظّمة التحرير الفلسطينية من الحرب العراقية على الكويت ما زالت ماثلةً وحاضرةً؛ والحرب على الإرهاب عقب أحداث سبتمبر/أيلول 2001، والتوظيف الإسرائيلي لها في قمع "انتفاضة الأقصى" ما زال ماثلًا؛ واحتلال العراق عام 2003، والانسحاب الإسرائيلي من لبنان عام 2000، ثمّ حرب لبنان عام 2006 كلها متغيرات أثرت على القضية الفلسطينية ومساراتها سواء بالسلب أو الإيجاب، والحرب على إيران لا تعني أن القضية الفلسطينية بمعزل عن تداعياتها. وأحد تلك التداعيات قيد التشكل هو مستقبل علاقة فصائل المقاومة الفلسطينية بالدول الخليجية. ختامًا؛ من التداعيات المباشرة على القضية الفلسطينية من الحرب على إيران، أن إسرائيل وظفت ذلك في استمرار هروبها من استحقاقات اتفاق الهدنة المُوقع في شرم الشيخ، الانسحاب والإعمار، وعطلت الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة ترامب، ومنعت دخول لجنة التكنوقراط إلى قطاع غزّة واستلام مهامها؛ وعادت إلى تنقيط المساعدات وأغلقت المعابر، وواصلت القصف والنسف والاغتيالات في قطاع غزّة، والضمّ في الضفّة الغربية، والتهويد في القدس.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows