Arab
في ظلّ التصعيد المتزايد بين الولايات المتّحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، يقف الشرق الأوسط على أعتاب مرحلةٍ شديدة الخطورة، قد تعيد تشكيل التوازنات السياسية في المنطقة. فالتوتر حول البرنامج النووي الإيراني، وتعزيز الوجود العسكري الأميركي، والتصعيد الإسرائيلي المتواصل، كلّها مؤشراتٌ على دخول المنطقة مرحلة صراع قد تتجاوز آثاره حدود الدول المنخرطة فيه انخراطًا مباشرًا. غير أن فهم هذه المواجهة لا يمكن أن يقتصر على بعدها العسكري أو الدبلوماسي، بل ينبغي النظر إليها من منظور أوسع يربطها بتناقضات النظام الرأسمالي العالمي البنيوية والصراع بين القوى الإمبريالية على النفوذ والموارد.
من هذا المنظور، تبدو المواجهة مع إيران جزءًا من صراع أوسع حول إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط، وهي منطقة لا تزال تحتل موقعًا محوريًا في الاقتصاد العالمي، بسبب موقعها الجيوسياسي، وثرواتها الهائلة من الطاقة. إذ تعتبر الولايات المتّحدة الحفاظ على الهيمنة في هذه المنطقة عنصرًا أساسيًا في استراتيجيتها العالمية، خصوصًا في ظلّ تصاعد المنافسة مع قوى كبرى مثل الصين وروسيا. لذلك تنظر واشنطن إلى أي قوّة إقليمية تسعى إلى توسيع نفوذها خارج الإطار الذي ترسمه باعتبارها تحديًا ينبغي احتواؤه، أو إضعافه على الأقل.
في السياق ذاته؛ تلعب إسرائيل دور حليف الولايات المتّحدة الأكثر ثباتًا في الشرق الأوسط، فمنذ عقود، مثّلت دولة الاحتلال قاعدةً متقدمةً للنفوذ الأميركي، ليس عسكريًا فقط، بل أيضًا سياسيًا، عبر دورها في إعادة ترتيب التوازنات الإقليمية بما يخدم المصالح الغربية. ولهذا يجري تصوير الصراع مع إيران في الخطاب الرسمي الأميركي والإسرائيلي بوصفه مواجهةً بين “الأمن والاستقرار” من جهة، و"خطر محور الشر" من جهة أخرى، في حين أن جوهره يرتبط بصراع على النفوذ والهيمنة في المنطقة.
تكشف هذه الحرب عن طبيعة النظام الإقليمي الذي تكون في الشرق الأوسط خلال العقود الماضية، فهو يعيش اليوم حالة تفكك تدريجي، مع تراجع القدرة الأميركية على فرض استقرار طويل الأمد
أما إيران، فهي بدورها قوّة إقليمية تسعى إلى تعزيز موقعها السياسي والاستراتيجي، فقد عملت إيران منذ ثورتها عام 1979 على بناء شبكة من التحالفات الإقليمية تمتد من الخليج إلى شرق المتوسط، الأمر الذي أدى إلى احتكاك متزايد مع المصالح الأميركية والإسرائيلية، خصوصًا في ساحات مثل العراق وسورية ولبنان. ومع ذلك، لا يمكن النظر إلى هذا الصراع باعتباره مواجهةً بين مشروع تحرري وآخر إمبريالي بالمطلق، فإيران نفسها تتحرك ضمن منطق النظام الرأسمالي العالمي وتسعى إلى تحسين موقعها داخله، ما يجعل التناقض بين الطرفين أقرب إلى صراع على النفوذ داخل النظام الدولي القائم.
سيظهر التأثير الأكثر حساسية لأي حرب واسعة ضدّ إيران على القضية الفلسطينية، إذ ظلّت فلسطين لعقود محورًا أساسيًا في الصراع السياسي في الشرق الأوسط، إلّا أن موقعها كان يتأثر دائمًا بالتوازنات الإقليمية والدولية. وفي حال اندلاع حرب كبرى، قد تنشأ ديناميات متناقضة تؤثر تأثيرًا مباشرًا على مسار القضية الفلسطينية.
فمن جهة؛ قد تسعى إسرائيل إلى استغلال انشغال العالم بالحرب لتكثيف سياساتها الاستيطانية، وتوسيع سيطرتها على الأراضي الفلسطينية. ففي ظلّ تركيز الاهتمام الدولي على المواجهة الكبرى، قد تجد حكومة الاحتلال فرصةً لفرض وقائع جديدة على الأرض، سواء عبر تسريع الاستيطان، أو تشديد الحصار، أو تصعيد القمع العسكري ضدّ الفلسطينيين. وفي مثل هذه الظروف، تصبح القضية الفلسطينية مهددةً بمزيد من التهميش على المستوى الدولي.
لكن من جهة أخرى، قد تؤدي الحرب نفسها إلى إعادة القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام العالمي، فالحروب الكبرى غالبًا ما تكشف التناقضات العميقة في النظام الدولي، وقد تفتح المجال أمام موجات جديدة من التضامن الشعبي مع الفلسطينيين، خصوصًا إذا رافقها تصعيد إسرائيلي واسع في الأراضي المحتلة، كما أن توسع الصراع في المنطقة قد يربط بين مختلف ساحات المواجهة، ما يجعل القضية الفلسطينية جزءًا من المشهد الإقليمي الأوسع بدل أن تبقى ملفًا منفصلًا.
على مستوىً أعمق، تكشف هذه الحرب عن طبيعة النظام الإقليمي الذي تكون في الشرق الأوسط خلال العقود الماضية، فهو يعيش اليوم حالة تفكك تدريجي، مع تراجع القدرة الأميركية على فرض استقرار طويل الأمد في المنطقة. وفي الوقت نفسه، وبينما تسعى قوى إقليمية مختلفة إلى توسيع نفوذها، تحاول قوى دولية مثل الصين وروسيا تعزيز حضورها الاقتصادي والسياسي.
غير أن أخطر ما في هذه التحولات هو حدوثها في سياق أزمة أوسع يعيشها النظام الرأسمالي العالمي. فالتنافس المتصاعد بين القوى الكبرى، والأزمات الاقتصادية المتكررة، تدفع نحو مزيد من الصراعات العسكرية. وفي مثل هذا السياق تصبح مناطق مثل الشرق الأوسط ساحات مفتوحة لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى، وعليه تتحمل شعوب المنطقة الكلفة الأكبر لهذه الصراعات.
تلعب إسرائيل دور حليف الولايات المتّحدة الأكثر ثباتًا في الشرق الأوسط، فمنذ عقود، مثّلت دولة الاحتلال قاعدةً متقدمةً للنفوذ الأميركي، ليس عسكريًا فقط، بل أيضًا سياسيًا، عبر دورها في إعادة ترتيب التوازنات الإقليمية
على أيّ حال، لا يمكن فصل هذه الحروب عن مصالح الطبقات الحاكمة التي تديرها، فالحروب الإمبريالية تُقدَّم غالبًا للرأي العام تحت شعارات الأمن أو الديمقراطية، لكنها في جوهرها ترتبط بالسيطرة على الموارد والأسواق وطرق التجارة. وفي الشرق الأوسط تحديدًا، يرتبط جزءٌ كبير من هذه الصراعات بالسيطرة على الطاقة والهيمنة على المواقع الاستراتيجية.
في هذا الإطار، تبقى القضية الفلسطينية تعبيرًا مكثفًا عن الصراع بين الهيمنة الإمبريالية وحقّ الشعوب في تقرير مصيرها. غير أن حلّها لا يمكن أن يتحقق ضمن التوازنات العسكرية الحالية، أو عبر صفقات القوى الكبرى، بل من خلال تحولات سياسية واجتماعية أوسع في المنطقة، تقودها شعوبها ضدّ أنظمة الهيمنة والاستبداد معًا. بذلك كلّه، لن يتحدد مستقبل الشرق الأوسط بنتائج الحرب المحتملة ضدّ إيران فقط، بل أيضًا بقدرة شعوب المنطقة على تحويل أزماتها إلى لحظة تاريخية تفتح الطريق أمام مشاريع تحرر حقيقية. وفي قلب هذه التحولات ستظلّ فلسطين القضية الأكثر قدرة على كشف تناقضات النظام الإقليمي والدولي، وعلى توحيد نضالات الشعوب في مواجهة الهيمنة الإمبريالية.

Related News
موعد عزاء نجل الإعلامي محمود الورواري بمسجد الشرطة
al-ain
33 minutes ago