ناسا تغير قواعد اللعبة: قاعدة قمرية ومحرك نووي نحو المريخ بحلول 2028
Arab
4 days ago
share
دخلت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) مرحلةً جديدة من الصرامة التشغيلية والوضوح الاستراتيجي، مبتعدة عن الوعود الغامضة التي سادت لسنوات حول الاستيطان البشري في الفضاء، لتضع جداول زمنية محددة وخططاً تقنية ملموسة تهدف إلى ترسيخ وجود إنساني دائم على سطح القمر، وفتح آفاق الوصول إلى المريخ عبر الدفع النووي. هذا التحول الجذري يقوده جاريد إيزاكمان، الملياردير ورائد الفضاء السابق الذي تسلم إدارة الوكالة في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، حاملاً معه رؤية تهدف إلى استعادة ثقة الجمهور وإلهام الأجيال القادمة، تماماً كما فعلت بعثات أبولو قبل نصف قرن، معتبراً أن الوقت قد حان لتتحول الأفكار إلى مهمات ملموسة والإنجازات إلى واقع يغير وجه العالم. في قلب هذه الاستراتيجية المحدثة، يأتي برنامج أرتميس الذي خضع لعملية مراجعة شاملة تحت قيادة إيزاكمان؛ فبدلاً من محاولة الهبوط على القمر خلال مهمة أرتميس 3 المقررة في عام 2028، ستقتصر هذه المهمة الآن على الدوران حول الأرض مع تقديم موعد إطلاقها عاماً واحداً. ستخصص هذه المهمة لتدريب رواد الفضاء على عمليات الالتحام بين كبسولة أوريون ومركبات الهبوط القمرية التي تطورها شركتا سبايس إكس وبلو أوريجين، ما يمهد الطريق إلى محاولتي هبوط فعليتين على سطح القمر في عام 2028 ضمن مهمتي أرتميس 4 وأرتميس 5. ومن المتوقع أن تتسارع وتيرة هذه المهمات لتصبح بمعدل مرتين سنوياً بعد أرتميس 5، مع توجه الوكالة للاعتماد أكثر على الشركات التجارية لتوفير بدائل لصاروخ SLS الضخم وكبسولة أوريون. أما عن بناء القاعدة القمرية، فقد كشف إيزاكمان عن خطة طموحة تتألف من ثلاث مراحل أساسية؛ تبدأ المرحلة الأولى بتبني نهج النماذج الجاهزة لاستبدال المهمات الفردية المصممة لمرة واحدة، إذ ستشمل إرسال مركبات هبوط روبوتية صغيرة، وتطوير أنظمة الاتصالات والأدوات العلمية، وتوفير مركبات جوالة لنقل الرواد على السطح. وتنتقل الخطة في مرحلتها الثانية إلى بناء "بنية تحتية شبه صالحة للسكن" تسمح بزيارات منتظمة لرواد الفضاء، وصولاً إلى المرحلة الثالثة والنهائية التي تتمثل في تشييد بنية تحتية دائمة تضمن وجوداً بشرياً مستمراً. وتقدر الكلفة الإجمالية للمرحلتين الأوليين بنحو 20 مليار دولار على مدى السنوات السبع المقبلة، بينما تتطلب المرحلة الثالثة عشرة مليارات دولار إضافية، بهدف إيصال ما يبلغ نحو 150 ألف كيلوغرام من الحمولة إلى السطح، بما في ذلك الموائل وأنظمة الطاقة النووية المحتملة. توازياً مع الطموح القمري، وضعت "ناسا" هدفاً جريئاً بإطلاق مركبة فضائية تعمل بالدفع النووي نحو المريخ بحلول نهاية عام 2028. ومن أجل تحقيق ذلك، اتخذت الوكالة قراراً جريئاً بتعليق العمل في محطة غيتواي (Gateway) الفضائية التي كان من المخطط أن تدور حول القمر، وإعادة توجيه الموارد والخبرات والتمويل المخصص لها نحو مشروع القاعدة القمرية والمهمة المريخية. وستتحول أجزاء من محطة غيتواي التي أوشكت على الاكتمال، وتحديداً عنصر الطاقة والدفع، لتعمل محرّكاً للمركبة الروبوتية "إس آر-1 فريدوم" (SR-1 Freedom) المتوجهة إلى المريخ. هذه المركبة ستستبدل الألواح الشمسية بمفاعل انشطار نووي مثبت في مقدمتها لتوليد الكهرباء اللازمة لدفع أيونات الزينون وتوفير القوة الدافعة. وعلى الرغم من أن المفاعل الحالي سيكون صغيراً جداً لتسريع الرحلة، إلا أنه سيمثل اختباراً تقنياً حاسماً لأنظمة أكبر في المستقبل. تتجاوز مهمة "إس آر-1 فريدوم" كونها مجرد اختبار الدفع؛ فعند وصولها إلى الكوكب الأحمر، ستزيل حمولة مكونة من ثلاث مروحيات روبوتية مشابهة لمروحية إنغينويتي الشهيرة (Ingenuity Helicopter). ستكون هذه المروحيات مزودة بكاميرات ورادارات متطورة تهدف إلى البحث عن المياه المتجمدة في مواقع الهبوط المحتملة لرواد الفضاء في المستقبل، ما يضع اللبنات الأولى للاستكشاف البشري للمريخ. تأتي هذه التحركات السريعة في سياق منافسة جيوسياسية محتدمة، إذ أشار إيزاكمان بوضوح إلى الطموحات الفضائية الصينية المتسارعة بوصفها "منافساً جيوسياسياً" يتحدى القيادة الأميركية في الفضاء. ومع إعلان الصين خطتها لهبوط روادها على القمر بحلول عام 2030، تدرك "ناسا" أن الفارق بين النجاح والفشل سيقاس بالأشهر وليس بالسنوات، ما يفسر الضغط الكبير لتقليص المواعيد النهائية وضمان الالتزام بالجدول الزمني الجديد. وعلى الرغم من التحديات اللوجستية والمالية، خاصة بعد فقدان الوكالة لنحو خمس موظفيها نتيجة جهود تقليص حجم الحكومة الفيدرالية، يبدو أن القيادة الحالية نجحت في تأمين دعم شركات الطيران وأعضاء بارزين في الكونغرس. تصف "ناسا" اليوم مهامها بأنها محاولة لتحقيق "شبه المستحيل"، مع التركيز على القيام بـ"الأشياء الصعبة" بدلاً من محاولة إنجاز كل شيء دفعة واحدة.  

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows