Arab
لا يحوز المغربي عبد الغني أبو العزم ذيوعاً لاسمه ومُنجزه المعرفي والثقافي، ولا لتجربته الإنسانية التي اتّصفت بثراءٍ وتنوّع، فهو اللغوي والباحث والنقابي والحزبي والماركسي والحقوقي والناشط والمترجم والروائي والأكاديمي والشاعر والأستاذ الجامعي. ولا يعود هذا فقط إلى زُهد هذا المثقف النبيل بالإعلام، وعدم نشره معاجمه وكتبه في دور نشر عربيةٍ مشرقيةٍ كبرى، وإلى الاختصاص الذي كانت عليه مؤلفاته المعجميّة وفي اللغة وتحليل النصوص، وإنما أيضاً إلى كسلٍ في الصحافات الثقافية العربية. وقد رحل الأسبوع الماضي عن 85 عاماً، ولم تطلّ هذه بقدرٍ مستحقّ على عطاءاته، واجتهاداته في شؤون العربيّة وأحوالها، وقد كان صاحب تصوّراتٍ، حاذقةٍ، في المسألة اللغوية، دلّت على اتساع معرفته، وعميق نظراته بشأن الهوية الثقافية للأمة، ولم يُضَأْ على سيرته الفكرية والإنسانية، في بلده المغرب و(منفاه؟) في فرنسا، وفيها مقاطعُ مثيرةٌ لزم التذكير بها، لصلتها بمحّكاتٍ ووقائع في النضال السياسي مع السلطة في المغرب، الحادّ في مرحلة والديمقراطي في أخريات.
لن تتعلّق هذه المقالة بجهود عبد الغني أبو العزم (اسم العائلة مستعار) في إنجازه معجمه "الزاهر" في أزيد من 3600 صفحة، واشتمل على تعريف 30 ألف مفردة ومصطلح، ولا في معجميْن آخريْن له، ولا في عمله على تبسيط المعرفة اللغوية وتدريسها، ولا في مشاركته في ترجمة كتابٍ من الفرنسية عن الملكية في المغرب، جرى منعُه بعض الوقت، ولا عن انتقالاته من مدينته مراكش إلى الرباط وفاس وباريس والدار البيضاء للتعلّم والتعليم، ولا عن عضويّته النشطة في المكتب المركزي لاتحاد كتّاب المغرب، وسهْمه في تأسيس المنظّمة المغربية لحقوق الإنسان وفي قيادتها مع رفاق له، ولا عن مشاركته في تأسيس أنوية حركة 23 مارس المغربية الماركسية، ولا عن عفو ملكي أتاح عودته من فرنسا إلى بلدِه من دون اعتقال، ولا عن نشاطه هناك، ولا عن أدوارٍ بادر إليها في غير شأنٍ، وإنما سيتعلق ما تبقّى من هذه المساحة بالمقطع الفلسطيني العريض في سيرة هذا الرجل الذي جاء على بعضٍ منها في ثلاثة كتب، أحدُها في مبنىً روائيٍّ، من بالغ غبطتي أن لديّ ثالثُها وقرأتُه، وهو محاورةٌ مطوّلةٌ معه، أنجزها رشيد عفيف وفتيحة قذاف، "بعيداً عن الضريح... " (دار الفنك، الدار البيضاء، 2024).
كان صاحبنا طالباً في الجامعة في فاس، لمّا صارت حرب 1967، وهو على درايةٍ ووعيٍ مبكّرين بالقضية الفلسطينية في صباه في مراكش. يُخبرنا عن تجمّعات الطلاب، وكانوا يتصوّرون أن الحرب "مربوحة" مسبقاً، تصديقاً لما كانت تعلنُه إذاعاتٌ عربية. ثم هناك في باريس، وقد التحق بمدرسة اللغات الشرقية للتخصّص في اللغة العبرية، قبل أن يتركها إلى غيرها، وقد صار أكثر ثقافة بالاشتراكية، وكان قد ارتبط تنظيمياً بالجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، وموقف الاتحاد الوطني لطلاب المغرب، وكان من نشطائه، أن القضية الفلسطينية وطنية (مغربية). وقد تسنّى له في فرنسا أن يتدخّل لتصفية أجواءٍ بين الفصائل الفلسطينية. ويعطي، هنا، موقعاً خاصاً لما كان عليه نشاط الطالبة الفلسطينية آنذاك (1973 – 1979)، ليلى شهيد (توفّيت أخيراً)، ويأتي على صداقاته بفاعلين فلسطينيين عديدين، منهم إبراهيم الصوص الذي كان في الجبهة الديمقراطية قبل أن يصبح الشخصية الدبلوماسية الفلسطينية الأولى في فرنسا. وفي الأثناء، أنجز أبو العزم ما يسمّيها "وثيقة سياسية تاريخية" عن تطوّر النضال الفلسطيني، منذ بداية هجرة الصهاينة إلى فلسطين، وضمّنها رؤيةً طرح فيها "الاعتراف المتبادل"، الذي يقوم على اعتراف القيادة بدولة إسرائيل في مقابل اعتراف الأخيرة بدولةٍ فلسطينيةٍ، ليكون هذا نواة "حلّ الدولتين". وقد أنجز حواراً مطوّلاً مع نايف حواتمة، يعد "وثيقة سياسية" لمعرفة المنطلقات الفكرية والأيديولوجية والسياسية لمواقف الجبهة الديمقراطية.
التفاصيل مثيرة هنا، من المهم في إطارها أن صاحبنا كان يتردّد في العطل السنوية على المخيمات الفلسطينية في لبنان وسورية، ويأتي على مواقف سياسيةٍ لسكانها. وعمّ إذا كان باقياً على قناعته (2024) بحلّ الدولتين والاعتراف المتبادل، يجيب بالإيجاب، ويطرح مسوّغاته، ويفسّر أسباب فشل اتفاقية أوسلو. وبديعٌ، في السياق، ما أتى به الراحل الكبير من ذاكرته من أغاني فيروز الرحبانية، ومنها عن فلسطين. ويتحدّث عن شغفه ببيروت ودمشق وما كان يشدُّه فيهما... أمّا الذي يشدّنا إلى عبد الغني أبو العزم وفلسطين في مساره السياسي والثقافي فهو كثير، لم تفلح السطور أعلاه في إيجازِه.

Related News
رئيس اتحاد الكرة الإيطالي سيقدم استقالته في غضون ساعات
aawsat
6 minutes ago
الدوري القطري: السد يصطدم بالريان والغرافة أمام الدحيل
aawsat
6 minutes ago
خطأ شائع يحوّل زبدة الفول السوداني من خيار صحي إلى خطر خفي
al-ain
15 minutes ago