سبتمبر نت: مقال/ صلاح القميري
تتعرض القوات المسلحة والأمن وقياداتها وأفرادها لحملات إساءة وتطاول وتحقير وتشهير عبر الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، في ظل ظروف خدمة الميدان، وقد أقام الدستور والقانون اليمني حماية تشريعية كاملة لهذه المؤسسات، وجرّم كل مساس بها، لما تمثله من درع الوطن وحامي سيادته.
وهنا يبرز سؤال وجودي، كيف تحمي الدولة نفسها من داخلها قبل أن تصد عنها خطر الخارج؟ وكيف ترسم حدودًا فاصلة بين حرية الرأي التي تغذي روح الدولة، والإهانة التي تفتت كيانها؟
أسئلة تكتسب أهميتها القصوى في ظل حملات مسعورة تستهدف المؤسسةالعسكرية، لتتحول النصوص القانونية المجرِّمة إلى مرآة تعكس العلاقة الجدلية بين السلطة والحرية.
أولاً: الأسس الدستورية
عندما صاغ المشرع اليمني نصوص الدستور بشأن القوات المسلحة بوصفها بــ”مؤسسة سيادة لا مجرد هيئة نظامية أو سلطة من سلطات الدولة”، لم يكن ذلك لمجرد التدوين، بل ليكتب في العمق فلسفة كاملة لسيادة الدولة، تحمل رسالة أن من يعتدي على حامي الوطن إنما يعتدي على السيادة ذاتها، فالجيش في الوجدان الدستوري اليمني ليس جهازًا إداريًا عاديًا، بل هو العمود الفقري للدولة والسياج الذي تتحصن به. وتتجلى هذه المكانة في أهم ثلاث مواد دستورية:
المادة (36):
الدولة وحدها تنشئ القوات المسلحة والأمن، ومهمتها حماية الجمهورية وسلامة أراضيها وأمنها.
المادة (111):
رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة والأمن.
المادة (60):
الدفاع عن الدين والوطن واجب مقدس، والخدمة العسكرية شرف.
ثانياً: الحماية في قانون العقوبات العسكري (رقم 21 لسنة 1998)
إذا كان الدستور يقدس هذه المؤسسة، فإن القانون الجنائي يترجم تلك القداسة إلى عقوبات رادعة، ويتجلى ذلك في المادة (15) التي تعاقب على جرائم الخيانة والجرائم المرتبطة بالعدو، حيث نصت الفقرة (ط) على أنه: “يعاقب بالإعدام أو بجزاء يتناسب مع نتائج الجريمة كل من ارتكب بقصد الخيانة: إذاعته أو نشره أو ترديده أثناء خدمة الميدان بأية وسيلة أخباراً أو بيانات أو شائعات بقصد إثارة الفزع أو الرعب أو إيقاع الفشل بين القوات، وكان من شأنها تحقيق ذلك.”
ثالثاً: الحماية في قانون العقوبات العام (رقم 12 لسنة 1994)
أقام المشرع اليمني سلسلة من المواد المتدرجة في الردع، تراعي طبيعة الأفعال ومدى تأثيرها على المصلحة العسكرية:
المادة (121):
تعرف أسرار الدفاع، وتشمل المعلومات الدفاعية والعسكرية، والوثائق، وأخبار القوات المسلحة وتشكيلاتها وتحركاتها.
المادة (126):
تنص على عقوبة الإعدام لكل من تعمد ارتكاب فعل بقصد إضعاف القوات المسلحة، ومن ذلك إذاعة أخبار أو بيانات أو إشاعات كاذبة أو مغرضة من شأنها إلحاق الضرر بالاستعدادات الحربية أو العمليات الحربية أو إضعاف الروح المعنوية.
المادة (129):
يعاقب فيها المحرض والشريك ومن شرع في ارتكاب الجريمة بنفس العقوبة المقررة لها.
المادة (132):
عقوبة الحبس (سنة إلى 10 سنوات) لمن حرض علناً الجند على الخروج عن الطاعة أو أثار عصياناً مسلحاً.
المادة (135):
عقوبة الحبس (حتى 3 سنوات) لكل من حرض على عدم تطبيق القوانين.
المادة (136):
عقوبة الحبس (حتى 3 سنوات) لكل من أذاع أخباراً أو إشاعات كاذبة أو مغرضة بقصد تكدير الأمن العام أو إلقاء الرعب أو الإضرار بالمصلحة العامة.
وهنا تبرز حكمة المشرع في التدرج الهرمي للعقوبات، فالمعركة كما يقال تخاض بالكلمة كما تخاض بالسلاح، وقد جعل القانون من التمييز بين الأفعال المجرَّمة وحرية الرأي المشروعة معادلة دقيقة تجعل منه حكمًا بين ضرورتين: حماية هيبة المؤسسة العسكرية، والحفاظ على حق الرأي المشروع.
رابعاً: جرائم نشر الشائعات والإساءة والنشر والتحريض ضد القوات المسلحة والأمن:
– جرائم عسكرية بموجب المادة (15) من القانون العسكري الفقرة (ط)
– المواد (126، 132، 136) من القانون العام.
– ظرف مشدد إذا ارتكبت أثناء خدمة الميدان أو في زمن الحرب خدمة الميدان.
– تهديداً مباشراً للروح المعنوية للمقاتلين، وبالتالي تهديداً للقدرة القتالية.
وعند الحديث عن نطاق الحماية، يتسع النص ليشمل “الهيئات النظامية” والمؤسسات العسكرية والمدنية العامة ” و”سلطة من سلطات الدولة”. وقد أوضح الفقيه الجنائي الدكتور عبدالله الشرفي أن المعيار ليس في الاسم بل في الوظيفة والتنظيم، فالهيئة النظامية هي التي تقوم على تسلسل هرمي وانضباط داخلي وتؤدي دورًا مرتبطًا بالأمن أو الدفاع أو النظام العام، أما المصالح العامة فتشمل المرافق الحيوية التي لا تقوم الدولة إلا بها.
الخلاصة :
أن القانون حارسًا للسيادة لا قيدًا على الحرية يظل النص الذي يجرم الإهانة أو التطاول على المؤسسة العسكرية والهيئات النظامية اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على التوفيق بين متطلبات الأمن القومي وحماية الحريات العامة. إنها نصوص واضحة وصريحة تحمل في طياتها رسائل بينة: أن هيبة المؤسسات السيادية خط أحمر لا يجوز تجاوزها، مع مراعاة الفصل بين حرية الرأي والجريمة.وقد استقر القضاء اليمني في سوابقه على التمييز بين الحرية المقيدة بالمشروعية والأفعال المجرَّمة حيث العبرة بأي فعل من شأنه إلحاق الضرر بالمصلحة العسكرية أو إضعاف القوات، خاصة في حالة خدمة الميدان كظرف مشدد.
في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، وحالة الحرب تكتسب هذه المعادلة حساسية مضاعفة. فالمعركة تخاض بالكلمة كما تخاض بالسلاح وحماية الجيش الذي يحمي التراب هي حماية للوطن في أقدس تجلياته، وليس السؤال فيما إذا كان القانون اليمني قد نجح في تحقيق هذا التوازن، فالإجابة لن تكون في النصوص وحدها، بل في ممارسات القضاء وثقافة المجتمع، وفي اللحظة الدقيقة التي تمر بها القوات المسلحة في حالة استعادة مؤسسات الدولة من عدو انقلابي داخلي.