Arab
تحوّل مشروب المتّة الذي جلبه المهاجرون اللبنانيون من أميركا الجنوبية، موروثاً شعبياً متجذراً في الحياة اليومية لبعض الطوائف، وأحد أساسيات الضيافة وتعزيز الصداقات.
لا يمكن الحديث عن مشروب المتّة في لبنان دون ربط هذه النبتة القادمة من دول أميركا الجنوبية بهويّة شاربها وأصوله، وكأنها علامة فارقة تدلّ على طائفة دون سواها، كونها تتصدّر منذ عقود طويلة عادات طائفة الموحدين الدروز وتقاليدهم في الترحيب والضيافة، رغم أن بعض اللبنانيين من طوائف عدة يشربونها، ولو بطقوس مختلفة.
ففي عدد من القرى والبلدات اللبنانية، يبدأ الأهالي يومهم مع "قرعة المتّة"، ولا يمكن للنوم أن يسرقهم قبل شرب آخر قرعة. والقرعة بدورها هي نبتة تُزرع وتُيبّس وتُحضّر لسكب المتّة مع المياه الساخنة داخلها، حتى صارت تقليداً تتوارثه الأجيال. مع العلم، أن البعض يستسهل شربها بأكواب الشاي الزجاجية أو أكواب القهوة الكبيرة، كون القرعة التقليدية تتطلب طريقة تحضير محددة. وقد برزت في السنوات الأخيرة أشكال متعددة من القرعات الخشبية برسوم ترمز إلى أرز لبنان أو معالم تاريخية وأثرية، حتى أن البعض امتهن حفر الأسماء ونقش الرسوم والرموز على القرعة التقليدية أو الخشبية، بما يتوافق مع رغبات عشاق المتّة وقرعتها.
بلهفة، تتحدث المهندسة رهام بو شاهين مطر عن المتّة التي صارت جزءاً من روتينها اليومي، وتقول لـ"العربي الجديد": "عندما أريد الإبداع والابتكار أحتسي القهوة، لكن عندما أريد التركيز بالأرقام والحسابات أشرب المتّة، فهي لا تفارقني حتى خلال دوام العمل. وفي حال عدم شربها أُصاب بألم في الرأس، حتى أنني أصفها لكل من يشكو من صداع وآلام، ونجحتُ في نشر ثقافة المتّة بين زملائي".
"ما رأيك بقرعة متّة؟"، سؤال تردده بو شاهين المقيمة في بلدة مجدليا (جبل لبنان) بشكل يومي، وتشير عاشقة التصوير إلى أن مزاجها يحدد ما إن كانت ستشرب المتّة بالقرعة التقليدية أو الخشبية أو المعدنية أو بالكوب الزجاجي. وتضيف: "لكن عند جلوسي مع شخص مُسنّ، أشعر بأن القرعة التقليدية حتمية، فهي من أساسيات الضيافة. كما أن المتّة رفيقة الدرب في كل زمان ومكان، تكون لها نكهتها الخاصة صباحاً، ونكهة مغايرة بعد الغداء، ونكهة ساحرة في أحضان الطبيعة". وتتابع: "المتّة أكثر من مجرد مشروب دافئ، فهي جلسة متكاملة تبدأ من الصينية ومستلزماتها إلى ما نتناوله معها من حلويات ومكسرات وخلافها. البعض يضيف إليها السكر، والبعض الآخر يتفنّن بإضافة أعشاب ومنكهات أو حتى قشر الليمون الحامض.
وبحسب الموقع الرسمي للجيش اللبناني، تُعدّ المتّة مشروب الضيافة الأساسي عند طائفة الموحدين الدروز، إذ درج استخدامها منذ الهجرة اللبنانية للطائفة أواخر القرن التاسع عشر إلى جنوبي أميركا، وتحديداً إلى الأرجنتين وباراغواي. وقد أخذ لبنانيو الوطن المتّة من ذويهم المغتربين في الأرجنتين، ودرجت لدى بعض الطوائف الأخرى عبر العلاقات الاجتماعية. وعن أصل التسمية، يوضح موقع الجيش نقلاً عن مهاجرين من جبل لبنان إلى الأرجنتين، أنها مشتقة من تصريف الفعل Matar أي قتل، وتُقلب في المستقبل التام المستمرّ إلى Mate، والجاربا هي "yerba" أو "erba" أي عشبة، فتصبح التسمية إنشائياً la yerba que mate el tempo، أي "العشبة التي تقتل الوقت". وتُلفظ bombilla بقول "بومبيجا"، وهي المضخة التي تُشرب بها عشبة المتّة.
بدورها، تحرص رهام على اختيار "بومبيجا" معدنية أصلية ذات فتحة تتيح شرب المتّة بهدوء، وتضيف: "هناك من يخطئ ويشبّهها بالشاي الأخضر، لكنها مختلفة، فهي عالم بحد ذاته. أما مشروب المتّة مع الحليب الساخن فهو قصة ثانية، يجمع أفراد العائلة صباح العطلة يومَي السبت والأحد، للتلذذ بنكهة المتّة مع الحليب وحب الهال ونبات العطر وقشر الليمون الحامض وأحياناً مسحوق الفانيليا".
تتمسك رنا عربيد بمشروب المتّة باعتباره أحد أساسيات يومها، أسوة بالفطور والغداء والعشاء. وتقول الشابة الثلاثينية لـ"العربي الجديد": "لا نستغني عن المتّة يوماً، فهي حاضرة في كل وقت قبل الطعام وبعده، فضلاً عن روعة جلستها مع الأصحاب أو العائلة". وتضيف رنا المتحدرة من مدينة الشويفات (جنوب بيروت): "أملك نحو عشر قرعات متّة، من القرعة الأصلية إلى الزجاجية والخشبية. إنها أحد أساسيات المنزل التي تشعرني بالراحة النفسية، ويتحسن مزاجي فور رؤيتها".
ويرى الشاب نديم هلال المقيم في بلدة المريجات (البقاع) أن المتّة تُوحي بلمّة العائلة وذكريات أفرادها، حيث يبدأ يومهم بالمتّة قبل أن يتيسروا إلى المدارس والجامعات والأشغال، وينتهي بها عندما يتحلقون حولها مساءً، أملاً في جلسة مريحة بعد يوم طويل. ويتابع هلال لـ"العربي الجديد": "تذكرنا المتّة ببيت الجد ورمزية اجتماع العائلة حولها، فهي تعزز الروابط الأسرية والتآلف الاجتماعي والصداقات"، ويضيف ممازحاً: "جلسة المتّة عبارة عن "سردة" طويلة تفتح النفس لأحاديث شيّقة قد تطاول البلدة من أولها حتى آخرها. فهي تشجع على الحوار، ويشعر المرء بطلاقة اللسان عندما يُمنح دوره في قرعة المتّة". ويوضح أن البعض يشرب المتّة لفوائدها الصحية ولتعويض كمية مياه الشرب اللازمة يومياً، والبعض الآخر يشربها للجلوس وقتاً أطول مع خطيبته أو حبيبته.
ويستذكر نديم والدته الراحلة ورد، التي كانت تزرع نبتة قرع اليقطين الطبيعي، وكانت بعد قطفها ويباسها، تأخذ من مدفأة الحطب قطعة من الفحم المشتعل، تضعها مع السكر داخل القرعة بهدف حرقها وضمان عدم امتزاج طعمها بنكهة المتّة، ومن ثم تنقعها بالمياه وعشبة المتّة حتى اليوم الثاني. "كانت لتلك القرعة التقليدية، التي ما زال كثيرون يتمسكون بها، نكهتها الخاصة". ويختم بالقول: "أشرب المتّة مع أفراد العائلة أو الأصدقاء المقربين، ولا أضحّي بوقتي لغيرهم، فالمتّة ليست للغرباء".
وُلدت نورا قزعون ونشأت في الأرجنتين قبل أن تعود إلى لبنان بعمر 24 عاماً، حيث تزوجت ابن عمتها وسكنت في بلدة قب الياس (البقاع). واصلت الأم لثلاث شابات ثقافة شرب المتّة التي اعتادت عليها في الأرجنتين، وتقول لـ"العربي الجديد": "كل يوم نشرب المتّة، فهي تجمع العائلة وتتميز بنكهتها الخاصة. وقد لمست أهميتها في الأرجنتين، حيث يجتمع حولها أفراد العائلة صباحاً، يشربونها وهم يتجهزون للخروج، ولا تفارق المعلمات خلال فرصة المدرسة، ولا يُستغنى عنها فترة بعد الظهر أثناء تحضير الغداء، وعند العصر تُعقد جلسة مطوّلة حولها". نورا، الأستاذة الجامعية التي تدرّس اللغة الإسبانية في لبنان، تقلّب صور قرعة المتّة مرفقة بعبارة صباح الخير باللغتين الإسبانية والعربية، وبعبارات أخرى تفيد بأن المتّة رمز للصداقة التي تجمع الشعوب رغم المسافات.
ابتكرت رنا نجد من بلدة العبادية (جبل لبنان) صابونة مصنوعة من المتّة وزيت الزيتون، وفوجئت بفوائدها. وتشير في حديثها لـ"العربي الجديد" إلى أن المتّة تمنحها نوعاً من الراحة والهدوء والتفكير، وكذلك النشاط والحيوية. وتكشف أنها تمزج معها القرنفل أو الأعشاب للوقاية من الزكام. وتشرح أن المتّة عبارة عن لمّة العائلة و"الكنكنة" والحنيّة. لذلك عندما ندعو أحدهم إلى جلسة متّة مستخدمين عبارة "ناطرينك أو عازمينك على قرعة متّة"، فهذا يعبّر عن رغبة كبيرة بالجلوس والحديث معه. وتتابع الأم لشاب بعمر 15 عاماً: "أخصص ساعة كل صباح لشرب المتّة التي تربطني بها علاقة ذكريات وشوق وحنين".
ويوضح صاحب إحدى شركات استيراد وتوزيع المتّة، أريج أبو خزام، أن هذه العشبة تنمو في الأرجنتين وأميركا الجنوبية، وقد جلبها المهاجرون اللبنانيون القدامى من الأرجنتين، وهي مشروب صحي ملائم للجميع. ويقول لـ"العربي الجديد": "انتشرت المتّة وتحولت إلى ثقافة شعبية في عدد من بلداتنا اللبنانية، نظراً لمنفعتها وفوائدها الصحية، كونها تساعد على التركيز والتفكير والابتكار. حتى أن مادة الكافيين فيها تُعد منبّهاً إيجابياً يختلف عن ذلك الموجود في القهوة والشاي".
ويرى أن وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت في نشر فوائد المتّة وما تتميز به من نكهة لذيذة ومناعة ذاتية، فهي عشبة لا تضربها الأمراض ولا تحتاج إلى أدوية ورعاية، إنما تحافظ على نكهتها وجودتها لسنوات. ويكشف أبو خزام أن أول طلبية استوردها والده الراحل عن طريق الاستيراد المباشر كانت عام 1956، أي منذ ما يقارب 70 عاماً. لكنه قبل ذلك بعشر سنوات تقريباً، كان يبيع المتّة في محله التجاري، ما يعني أن هذا المشروب كان منتشراً في مناطق الجبل منذ نحو 80 عاماً. ويلفت إلى أن صناعة المتّة تطورت في الأرجنتين، حيث ابتُكرت ظروف جاهزة مثل الشاي لوضعها في الفنجان، فضلاً عن إضافة بعض النكهات إليها، مثل الليمون الحامض أو البرتقال أو الأعشاب.
تشرب ديانا خليل المتّة من دون سكر، وتصفها بأنها "خيار صحي"، أما جلستها فـ"قصة كبيرة". وتقول ديانا، وهي منسقة إدارة التمريض في أحد مستشفيات لبنان: "تحتوي المتّة على المعادن والزنك أكثر من غيرها، وقد اعتدنا على وجودها في المنزل منذ الطفولة. لكننا إجمالاً نشربها عند المساء، حيث نتبادل الأحاديث". ديانا المتحدرة من راشيا الوادي (البقاع)، تروي كيف أن عشاق المتّة في حال زيارتهم مناطق محددة لا تنتشر فيها ثقافة المتّة، سيشعرون بأن أصول الضيافة لم تكتمل، ولو أن الضيافة حافلة. وتختم بالقول: "هناك كثيرون صارت المتّة جزءاً من روتينهم اليومي، لا يمكنهم قضاء يومهم من دونها".
منذ أكثر من ثلاثين عاماً، تواظب وعد محي الدين من بلدة الفاكهة (بعلبك - الهرمل) على شرب المتّة التي استقدمها عمّ والدها من الأرجنتين، وقد عوّدت شقيقاتها عليها. وتقول ربّة المنزل لـ"العربي الجديد": "أعشق المتّة وأشربها صباحاً قبل القهوة، وأنتظر شربها عند المغرب مع زوجي وأولادي، حتى أن أهل زوجي يشربونها مرتين خلال النهار. ففي كل جلسة تحضر المتّة، ودائماً نضيف إليها منكهات، مثل حب الهال والعسل والزنجبيل والمليسة والنعنع".
