Arab
تتمحور المواجهات العسكرية بين جيش الاحتلال الإسرائيلي وحزب الله اللبناني بشكل أساسي على الجبهة الجنوبية، وسط محاولات إسرائيل للتوسّع بعمق جنوب لبنان حتى مسافة ثمانية كيلومترات، ورفع الحزب عمليات التصدّي، باستهداف التحركات العسكرية الإسرائيلية عبر الصواريخ الموجّهة والالتحام المباشر داخل بلدات حدودية.
وتتسارع وتيرة التصعيد الميداني في لبنان سواء من جهة إسرائيل التي تركز الآن عملياتها جنوباً مع بعض الضربات التي تُنفذها في مناطق أخرى، لا سيما الضاحية الجنوبية لبيروت، أو من جهة حزب الله الذي يرفع يومياً مستوى عملياته العسكرية، التي بلغت أمس الخميس 94 عملية متصلة بالتصدي لتحركات جيش الاحتلال عند الحدود اللبنانية الفلسطينية، واستهداف مواقع وقواعد انتشاره ومستوطناته في شمال فلسطين المحتلة.
وفي مقابل المشهد العسكري، لا خرق يُسجّل حتى الساعة على مستوى الحلّ الدبلوماسي القادر على إنهاء الحرب، أقلّه في الوقت الراهن، رغم الحراك الخارجي باتجاه بيروت، أبرزه المصري والفرنسي، فيما تحرّك لبنان أممياً، على خلفية تصريحات إسرائيل بنيتها احتلال المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني، والاعتداءات المتواصلة في الجنوب، وتفجير غالبية الجسور على النهر، في مسعى لفصل هذه المنطقة عن بقية الأراضي اللبنانية، كما عمليات التهجير الجماعي التي تطاول سكان المدن والقرى، بحيث طلب رئيس الوزراء نواف سلام من وزير الخارجية يوسف رجّي تقديم شكوى فورية أمام مجلس الأمن بهذا الخصوص، داعياً الأمم المتحدة إلى تحمّل مسؤولياتها في وضع حدّ للانتهاكات الإسرائيلية.
وفي تطورات الميدان، أفاد حزب الله عبر وسائل إعلامه بنقاط المواجهات في المنطقة الحدودية، حيث يستمرّ الاحتلال في تنفيذ تفجيرات دمرت منازل مواطنين في بلدات؛ كفركلا، والعديسة، وربّ ثلاثين، ومركبا، وعيتا الشعب، والخيام، وحولا، وميس الجبل، وعيترون، واكتفى الاحتلال بالتمركز في بعض النقاط بعد مواجهات أسفرت عن تدمير دبابات وآليات، أما في مارون الراس ويارون، فلا يزال تموضع القوات الإسرائيلية تحت نيران حزب الله بشكل يومي.
وفي محاور التوغل الرئيسية، يواصل الاحتلال في مدينة الخيام بقضاء مرجعيون تنفيذ تفجيرات للمنازل وعمليات تحصين في الأحياء الجنوبية والشرقية والوسط، مع استمرار قصف الأحياء الشمالية والغربية بالغارات والمدفعية. أما في الطيبة بالقضاء نفسه، فبعد إعلان حزب الله تدميره نحو "18 دبابة إسرائيلية"، قال إنه نفذ عملية استدراج مزدوجة وكميناً محكماً بالصواريخ عبر محورين باتجاه القنطرة ودير سريان، ما أدى إلى استهداف المزيد من دبابات الاحتلال، وفرض انتشار متفرق لقواته، مع استمرار استهداف أي تحرك للاحتلال بالصواريخ والمسيّرات الانقضاضية.
وعلى صعيد بلدة القوزح في قضاء بنت جبيل، قالت وسائل إعلام تابعة لحزب الله إنّ الاحتلال تمكّن من السيطرة على البلدة الصغيرة بعد ثلاثة أسابيع، لكنه يواجه استهدافاً مستمراً للدبابات والتجمّعات بالصواريخ والمسيّرات الانقضاضية، إضافة إلى الصليات الصاروخية على موقعه المستحدث في جبل بلاط. وفي الناقورة بقضاء صور، توغلت قوات إسرائيلية إلى البلدة بعد دخول علما الشعب، واستمرت المواجهات على مدى يومين، مع تعرض تموضع الاحتلال المستمر للاستهداف المتواصل.
وفي قراءة عسكرية للميدان، يشير منسّق الحكومة اللبنانية لدى قوة الأمم المتحدة المؤقتة في جنوب لبنان "يونيفيل" سابقاً العميد منير شحادة، في حديث لـ"العربي الجديد"، إلى أنّ التقدم الإسرائيلي في الجنوب لا يزال محصوراً في الشريط الحدودي الأول، مع توغلات متفاوتة من القطاع الغربي إلى الشرقي، من دون تحقيق سيطرة كاملة. ويضيف: "في القطاع الغربي، دارت الاشتباكات حول بلدات الناقورة، علما الشعب، الضهيرة، ويارين، حيث سُجلت محاولات تقدّم اسرائيلية على الأطراف، تقابلها مقاومة عنيفة داخل الأحياء وعلى مداخل القرى، وفي القطاع الأوسط، تتركز المعارك في مروحين، عيتا الشعب، رامية، والقوزح، وهي من أعنف المحاور، حيث تواجه القوات الإسرائيلية المتقدمة كمائن مباشرة واستهدافاً مكثفاً للدروع، ما يعيق تثبيت أي تمركز ثابت".
ويتابع شحادة: "أما في القطاع الشرقي، فقد امتدت الاشتباكات إلى مارون الراس، بنت جبيل، عيترون، بليدا، وميس الجبل، حيث تحاول القوات الإسرائيلية التقدّم عبر أكثر من محور، لكنها تصطدم بمقاومة شديدة لا سيما في المناطق المرتفعة والمبنية، ولا يمكن ألا نذكر الملاحم البطولية في بلدة الخيام". ويشير شحادة إلى أنّ "العملية البرية الإسرائيلية في جنوب لبنان تعكس محاولة لفرض واقعٍ أمنيٍ جديدٍ عبر القوة، إلا أنها تصطدم بنمط مقاومة قائمٍ على الاستنزاف والمرونة، والقدرة على الاستمرار في إطلاق النار على مختلف المديات".
كذلك، يلفت شحادة إلى أن "المشهد لا يقتصر على جنوب لبنان فقط، بل يمتد على مستويات عدة، ضمن عمليات حزب الله، فالحافة الأمامية تشهد اشتباكات مباشرة واستهداف مواقع حدودية، فيما يشهد المدى المتوسط ضربات صاروخية باتجاه مدن مثل نهاريا وطبريا، العمق الاستراتيجي في القدرة على الوصول إلى تل أبيب، إضافةً إلى ذلك، تلعب المسيّرات الانقضاضية دوراً متزايداً في الضغط على الجبهة الداخلية، ما يوسع رقعة المواجهة خارج نطاقها الجغرافي المباشر". وبالتالي، يمكن تلخيص المعادلة، بحسب شحادة، في أن "اسرائيل تحقق تقدماً ميدانياً بطيئاً جداً، يواجَه بمقاومة شرسة، فيما حزب الله يفرض استنزافاً مستمراً، ولا يوجد حسم واضح، بل توازن قتالي غير مستقرّ".
وتنقسم قطاعات جنوب لبنان إلى ثلاثة قطاعات هي القطاع الغربي، ويمتد على طول ساحل البحر الأبيض المتوسط من الناقورة جنوباً حتى نهر الليطاني شمالاً، ويشمل مدناً وقرى مثل صور، القليلة، وعلما الشعب. والقطاع الأوسط، الذي يقع في المنتصف، ويمتد من نهر الليطاني ليشمل مدناً وبلدات مثل تبنين، بنت جبيل، والقوزح، كما يضم تلالاً استراتيجية مثل العويضة والعزية. أما القطاع الشرقي، فيمتد على طول الحدود مع فلسطين المحتلة وسورية، ويشمل مدن حاصبيا، مرجعيون، مزارع شبعا، كفرشوبا، وتلة الحمامص. أما إدارياً، فينقسم جنوب لبنان إلى محافظتين؛ هي الجنوب والنبطية. وتضم محافظة الجنوب أقضية؛ صيدا، وجزين، وصور، بينما تضم محافظة النبطية أقضية النبطية، وبنت جبيل، وحاصبيا، ومرجعيون.
