البحث عن توازن أمني جديد في الخليج
Arab
6 days ago
share
في خضم الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، والتي تقترب من إكمال شهرها الأول، تعود مسألة أمن الخليج العربي إلى الواجهة بوصفها سؤالاً وجودياً لا مجرد ملف سياسي عابر، فالمعادلة الأمنية التي تأسست منذ حرب الخليج عام 1991، والقائمة على مظلة الحماية الأميركية، تبدو اليوم في حالة تآكل واضح. ورغم القواعد العسكرية الأميركية المنتشرة في المنطقة، ومليارات الدولارات التي أنفقتها دول الخليج على التسليح والتكنولوجيا الغربية، تكشف الوقائع أن هذه المظلة الأمنية لم تمنع اندلاع الحرب، ولم تحمِ العمق الخليجي من تداعياتها، بل جعلته في قلب الاستهداف دون أن يكون طرفاً في قرارها، وتدفع دول الخليج نفسها اليوم كلفة حرب لم تبدأها ولم تؤيدها، في وقت تتعرض فيه منشآتها الحيوية، من مطارات وموانئ ومنشآت نفطية وعسكرية، لهجمات مباشرة. هذا الواقع يعكس اختلالاً عميقاً في بنية الاعتماد الأمني على واشنطن، خاصة مع تصاعد الشعور بأن الولايات المتحدة تدير الصراع وفق أولوياتها الاستراتيجية المرتبطة بأمن إسرائيل، أكثر من التزاماتها تجاه حلفائها الخليجيين، في ظل استياء العواصم الخليجية من جرّ المنطقة إلى مواجهة مفتوحة دون تنسيق حقيقي، ما يضع الأمن الاقتصادي والاستقرار الداخلي على المحك. ولا يخفي الاستياء الخليجي إدراكاً معقداً لطبيعة التهديد الإيراني، فبينما تؤكّد دول الخليج أنها لم تسمح باستخدام أراضيها أو أجوائها في العمليات العسكرية، إلا أنها لم تنجُ من الضربات الإيرانية، وهو ما ساهم في تراجع الثقة الإقليمية ورفع منسوب القلق في الأسواق وقطاع الطاقة. وما يعمّق هذا الإدراك الخليجي المتنامي، ما يورده الكاتب "مارك لينش" في مقاله المنشور في فورين بوليسي بعنوان "قد تخسر الولايات المتحدة منطقة الخليج"، حيث يكشف من داخل القراءة الأميركية نفسها حجم التآكل في الثقة بين الطرفين. فيرى أن "قادة الخليج كانوا يشعرون بأن علاقاتهم مع ترامب أفضل من أي إدارة أميركية سابقة، وقدّروا اهتمامه البالغ بالفرص المالية في الخليج"، غير أن هذا التقارب الظاهري لم يمنع، بحسب "لينش"، من انكشاف الفجوة الحقيقية عند لحظة الاختبار، حيث يقول: "لدى قادة الخليج أسباب وجيهة للاعتقاد بأن الولايات المتحدة وإسرائيل شنتا حرباً، لا تؤثر فقط على مصالحهم بل على بقائهم، دون تشاور جاد... إنهم يشعرون بانزعاج شديد إزاء استراتيجية إسرائيل لتغيير النظام، والتي تنطوي على تدمير مؤسسات الدولة الإيرانية، لأنهم يدركون أنهم (على عكس إسرائيل) ليسوا بمنأى عن التداعيات الكارثية". ويعتقد "لينش" أن دول الخليج تشكّك في رواية أن الولايات المتحدة عاجزة عن حماية منشآت النفط والشحن، أو عدم قدرتها أو رغبتها في تجديد مخزونها المتضائل من الطائرات الاعتراضية بسرعة، ويؤكد أن "هناك شعوراً عميقاً بأن القواعد العسكرية الأميركية أصبحت مصدر تهديد بدلاً من كونها مصدر أمن"! تدفع دول الخليج كلفة حرب لم تبدأها ولم تؤيدها، في وقت تتعرض فيه منشآتها الحيوية -من مطارات وموانئ ومنشآت نفطية وعسكرية- لهجمات مباشرة ويذهب التحليل أبعد من ذلك ليضع دول الخليج أمام معادلة خاسرة في كل السيناريوهات، إذ يضيف: "فإذا نجا النظام الإيراني أو استُبدل بنظام شمولي مماثل، فسيتذكر جيداً القوة التي اكتسبها من خلال مهاجمة الخليج وحركة النفط، وإذا سقط النظام وانهارت الدولة، فستتعرض دول الخليج لتدفقات اللاجئين واضطرابات الملاحة والتطرف، وتداعيات العنف المسلح التي تخشاها.. ولم تعد هذه الدول تثق بقدرتها على الاعتماد على الولايات المتحدة في الدفاع عنها". وينسجم هذا الطرح مع هواجس استراتيجية عبّرت عنها مصادر خليجية ضمن ما يمكن تسميته بسيناريو "الأسد الجريح"، حيث تخشى دول الخليج من أن انسحاب الولايات المتحدة دون حسم فعلي قد يترك إيران أكثر خطورة وقدرة على إلحاق الضرر بالمنطقة، أو يفتح الباب أمام فوضى إقليمية في حال انهيار داخلي مفاجئ! أمام هذه التحديات، تحاول دول الخليج إظهار قدر من التماسك والهدوء، لكنها في العمق تُعيد تقييم منظومة أمنها بالكامل، فالحرب الحالية أعادت طرح تساؤلات جوهرية حول جدوى الاعتماد الأحادي على الولايات المتحدة، خاصة في ظل سوابق مثل هجوم "بقيق وخريص" عام 2019 على شرق السعودية، ناهيك عن الهجوم الإرهابي الإسرائيلي على الدوحة في سبتمبر/أيلول 2025، الذي شكّل إنذاراً مبكراً بحدود الحماية الأميركية وصدمةً في الوعي الخليجي! ومع الحرب على إيران، يتعزّز الافتراض الخليجي أن السوابق أعلاه لم تكن مجرد تطور أمني عابر، بل شواهد على أن أمن الخليج لم يعد ضمن أولوية الضمانات الأميركية التي تُترجم إلى حماية فعلية عندما تتعارض مع أولويات حلفاء واشنطن الآخرين، خاصة "إسرائيل"! في المحصلة، لم يعد الصراع بين إيران والولايات المتحدة مجرد مواجهة بين قوتين متنافستين، بل تحول إلى اختبار قاسٍ لقدرة دول الخليج على حماية نفسها وسط توازنات دولية متغيرة، لقد كشفت الحرب أن كلفة البقاء ضمن خيار الاعتماد الأحادي على المظلة الأميركية قد تفوق أحياناً كلفة الخروج منه. وبين تهديدات إيران المباشرة وحسابات واشنطن المتقلّبة، تجد دول الخليج نفسها أمام لحظة تاريخية تفرض عليها إعادة تعريف أمنها الإقليمي من خلال بناء توازن أكثر استقلالاً ومرونة، يقوم على تنويع الشراكات وتعزيز القدرات الذاتية، والانخراط في ترتيبات إقليمية تقلّل من احتمالات الانفجار، فالأمن في الخليج لم يعد يُمنح، بل يُصنع، ومن لا يصنعه بنفسه، قد يجد نفسه أول من يدفع ثمن غيابه!

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows