استفتاء حول القضاء في إيطاليا: اختبار للعدالة وميزان قوة ميلوني
Arab
1 week ago
share
في مشهد سياسي وقضائي بالغ الحساسية، توجّه الإيطاليون أمس الأحد واليوم الاثنين إلى صناديق الاقتراع، للمشاركة في استفتاء دستوري حاسم حول مشروع إصلاح النظام القضائي، الذي تدفع به حكومة رئيسة الوزراء جيورجيا ميلوني. الحكومة تصفه بأنه خطوة مفصلية نحو "عدالة أكثر كفاءة وأقل تسييساً". لكن هذا الاستفتاء، الذي انطلق صباح الأحد ويستمر اليوم الاثنين، تجاوز في دلالاته مجرد تصويت على تعديل قانوني، ليصبح اختباراً سياسياً مباشراً لحكومة اليمين قبل الانتخابات البرلمانية المرتقبة في العام القادم. فبين خياري "نعم" و"لا"، لم يكن الإيطاليون يقررون مصير الإصلاح القضائي فقط، بل رسموا أيضاً ملامح التوازن بين السلطات في البلاد. إصلاح "نورديو": تفكيك النموذج القائم يتصدر مشروع "إصلاح نورديو" (نسبةً إلى الفريق الحكومي المكلف بصياغة المقترح) المشهد، ويهدف إلى إعادة تشكيل بنية القضاء الإيطالي بشكل جذري، مع التركيز على الفصل الكامل بين القضاة والمدّعين العامين. ففي النظام الحالي، ينتمي الطرفان إلى سلك قضائي موحّد، مع إمكانية الانتقال بين الوظيفتين خلال المسار المهني، وتدار شؤونهم عبر هيئة مركزية واحدة، هي المجلس الأعلى للقضاء (Consiglio Superiore della Magistratura) المسؤولة عن التعيينات والترقيات والمساءلة. وذلك يعني: فصل المسار المهني للقضاة عن المدّعين العامين، وتقسيم المجلس الأعلى للقضاء (CSM) إلى هيئتين منفصلتين، وتغيير طريقة اختيار أعضاء الهيئات القضائية (مثل الاختيار بالقرعة بدلاً من الانتخاب)، وإنشاء هيئة تأديبية عليا مستقلة. الإصلاح المقترح يقلب هذه المعادلة: ينشئ مسارين مهنيين منفصلين بحيث لا يعود الانتقال بين القضاء والادعاء ممكناً، ويقسم المجلس الأعلى للقضاء إلى هيئتين مستقلتين، واحدة للقضاة وأخرى للمدّعين العامين، مع إدخال آليات جديدة لاختيار الأعضاء، من بينها اللجوء الجزئي إلى القرعة للحد من النفوذ الداخلي. كما يقترح إنشاء هيئة تأديبية مستقلة، يُشارك البرلمان في تشكيلها، لمساءلة القضاة والمدّعين، وهو ما يثير جدلاً واسعاً حول استقلال القضاء. بطء العدالة: أزمة تتطلب حلاً يأتي المشروع في سياق انتقادات مزمنة لبطء النظام القضائي الإيطالي، حيث قد تستغرق القضايا المدنية بين ستة وتسعة أعوام للوصول إلى حكم نهائي، وهو ما يفوق المعدلات الأوروبية بكثير. هذا البطء لا يكلف الدولة والقطاع الخاص فقط، بل يضعف أيضاً ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة. وبينما يتفق الجميع على ضرورة الإصلاح، يختلفون حول أفضل الوسائل لتحقيقه. استفتاء قانوني أم معركة سياسية؟ مع اقتراب الانتخابات البرلمانية في العام القادم، يكتسب الاستفتاء بعداً سياسياً واضحاً، إذ يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره اختباراً لشعبية ميلوني وقدرة حكومتها على الاستمرار. حاولت ميلوني فصل التصويت عن شخصها، داعية إلى تقييم الإصلاح على أساس مضمونه، لكنها حذّرت من أن رفض المشروع بدوافع سياسية سيعني الإبقاء على ما وصفته بـ"نظام قضائي فاشل". في المقابل، ترى المعارضة أن الحكومة هي التي دفعت نحو تسييس الاستفتاء، محوّلة إياه إلى معركة سياسية بقدر ما هو نقاش قانوني. استقلال القضاء على المحك يثير المشروع مخاوف واسعة داخل الأوساط القضائية، خصوصاً في ما يتعلق بإمكانية تسييس القضاء. يتركز القلق حول دور البرلمان في تشكيل الهيئات الجديدة، وإنشاء جهاز تأديبي قد يتأثر بالتوازنات السياسية، إضافة إلى احتمال إضعاف موقع الادعاء العام. وقد حذر بعض النقاد من أن هذه التغييرات قد تمهّد لتدخل سياسي أوسع في القضاء، مستحضرين تجارب أوروبية أثارت جدلاً حول سيادة القانون، مثل تجربة المجر بقيادة القومي المحافظ فيكتور أوربان. انقسام سياسي حاد: من يدعو إلى "نعم" ومن يحشد لـ"لا"؟ تحوّل الجدل حول الإصلاح القضائي إلى استقطاب سياسي واضح: معسكر "نعم": يقوده حزب ميلوني إخوة إيطاليا، إلى جانب حليفيه الرئيسيين الرابطة بقيادة ماتيو سالفيني وفورزا إيطاليا الذي أسسه الراحل سلفيو بيرلسكوني. كما انضمت إليهم قوى وسطية وليبرالية مثل Azione و+Europa، التي رأت في المشروع محاولة لتحديث النظام القضائي وتقريبه من نماذج أوروبية أخرى. معسكر "لا": يضم الحزب الديمقراطي، حركة خمس نجوم، وقوى يسارية وغيرها من المعارضة، إضافة إلى الجمعية الوطنية للقضاة الإيطاليين، وقد دعا صراحة الناخبين للتصويت بـ"لا"، محذراً من تداعيات الإصلاح على استقلال القضاء، ونظم حملات إعلامية وتظاهرات في مدن مثل ميلانو. هذا الانقسام يكشف صراعاً أعمق حول دور القضاء بين تحديث الدولة وتعزيز فعاليتها، والحفاظ على استقلال السلطة القضائية. وبين هذين المنظورين وجد الناخب الإيطالي نفسه أمام خيار يتجاوز السياسة اليومية. الهجرة في الخلفية واستطلاعات متقاربة رغم غياب نص مباشر يربط الإصلاح بسياسات الهجرة، يلعب القضاء دوراً محورياً في قضايا اللجوء والترحيل، ويخشى منتقدو المشروع أن أي مساس باستقلاله قد يضعف مراقبة قرارات الحكومة، بينما يؤكد مؤيدو الإصلاح أنه إداري بحت ويستهدف الكفاءة فقط. على الصعيد السياسي، أظهرت الاستطلاعات سباقاً متقارباً بين معسكر "نعم" بقيادة ميلوني وحلفائها، ومعسكر "لا"، مع تقدم طفيف أحياناً للمعارضين. ومع استمرار الاقتراع، تبقى النتيجة مرهونة بنسبة الإقبال وتعبئة الناخبين، إذ يكفي حصول أحد الخيارين على الأغلبية البسيطة لاعتماد الاستفتاء، دون حد أدنى للنصاب، في حين بلغت نسبة المشاركة نحو 38% في نهاية اليوم الأول، ما جعل الحسم اليوم أكثر واقعية. بين التحديث والمخاطرة: لحظة حاسمة يدافع مؤيدو الإصلاح عن كونه خطوة ضرورية لتحديث القضاء الإيطالي، وتقريبه من نماذج أوروبية تعتمد الفصل الواضح بين القاضي والمدّعي العام، بما يعزز الشفافية ويقلل التداخل. في المقابل، يحذر المعارضون من أنه قد يفتح الباب أمام اختلال التوازن بين السلطات ويضعف استقلال القضاء، خصوصاً في القضايا الحساسة التي تمس حقوق المواطنين. مع إغلاق مراكز الاقتراع اليوم، يتحول القرار إلى لحظة فاصلة في تاريخ إيطاليا، إذ لا يتعلق الأمر بتعديل دستوري فحسب، بل بإعادة تعريف العلاقة بين العدالة والسلطة، وتحديد مستقبل أحد أعرق الأنظمة القضائية في أوروبا، في اختبار سياسي وجماهيري يعكس وزن كل صوت في توجيه مسار الدولة.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows