الفراغُ السوري... هشاشة الانتقال وخطر تدوير العنف
Arab
1 week ago
share
يُطلّ سؤالُ الفراغ السياسي في سورية بثقلٍ لا يُحتمل: أهو تفسخٌ داخلي عميق، أم غيابُ رؤية وطنية جامعة، أم انعكاسُ رياحٍ إقليمية تعيد رسم الخرائط؟ فالتاريخ يُثبت أنّ الفراغ في بلدٍ بحجم سورية لا يطول صمته، بل سرعان ما يتحوّل ساحةً صاخبة تتنازعها القوى، يغيب فيها التوافق، ويتقدّم ميزان القوّة. واليوم، مع إعادة تشكّل التوازنات، يبقى السؤال معلّقاً: من يجرؤ على ملئه وسط شبكةٍ معقّدة من المصالح المتضاربة، بينما تبحث البلاد عن ملامحها الجديدة؟ في مقدّمة المشهد السوري، تبرز تركيا الأكثر جهوزية لاقتناص اللحظة؛ تمنحها الجغرافيا حدوداً مفتوحة، ويمنحها حضورها العسكري في الشمال أدوات تأثيرٍ مباشرة، فيما تمدّ ظلّها السياسي والاقتصادي نحو مؤسّساتٍ قيد التشكّل. تبدو، بهذا المعنى، الأقرب إلى ملء جزءٍ وازن من الفراغ، وإن ظلّ نفوذها محكوماً بحساباتٍ داخلية وإقليمية دقيقة. وبموازاتها، تحضر الولايات المتحدة بطريقةٍ أكثر برودة؛ لا تسعى إلى ملء الفراغ بقدر ما تعمل لإدارته، عبر حضورٍ عسكري محدود وشبكة علاقاتٍ محلّية. هدفها كبح الخصوم، وضبط إيقاع توازناتٍ أوسع، بما ينسجم مع مصالحها الاستراتيجية. أمّا روسيا، فتتراجع خطوةً إلى الخلف من دون مغادرة الميدان الملتهب؛ تحاول حفظ ما تبقّى من نفوذها عبر موطئ قدم في الساحل، وخيوط ممتدّة في الطاقة والعلاقات العسكرية، بما يضمن لها مكاناً في أيّ توازنٍ مقبل، ولو بقدرةٍ أقل. وفي الخلفية، تراقب إسرائيل التحوّلات بعينٍ أمنيةٍ صِرفة؛ لا تسعى لملء الفراغ، بل إلى ضبطه عبر منع عودة النفوذ الإيراني وكبح أيّ تهديدٍ قرب الجولان، في مقاربةٍ تقوم على منطق الردع ومنع التمركز، لا على الانخراط في هندسة الداخل السوري. الفراغ بعد الحرب لحظة امتحانٍ مصيرية: إمّا أن يتحوّل أساسَ دولةٍ تستمدّ شرعيتها من الناس، أو ينزلق إلى هشاشةٍ تتكرّر بصيغٍ جديدة، وتعيد إنتاج الأزمات وإن تبدّلت الأقنعة في السياق، تقف سورية على حافة الانفجار مع تداعيات الحرب الإيرانية وامتداداتها إلى لبنان، فقد دفعت التطوّراتُ أخيراً دمشقَ إلى تنفيذ انتشار عسكري واسع على طول الحدود، بذريعة ضبط الأمن ومنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، غير أنّ هذا الانتشار يتقاطع مع مؤشّرات تصعيد ميداني، أبرزها رصد تعزيزات لحزب الله على الحدود، وتحوّل المنطقة إلى ساحة رسائل وضغوط متبادلة. وبموازاة ذلك، تتزايد محاولات استدراج دمشق إلى اشتباكات غير محسوبة العواقب، إذ لم تعد الحدود مجرّد خطّ أمني، بل ورقة تُستثمر سياسياً لإعادة ضبط موازين القوى. ضمن هذه المعادلة، لا يُنتج التحشيد العسكري استقراراً بقدر ما يعكس هشاشة التوازن، فتتقاطع حسابات الردع مع مخاطر الانخراط، ليتحوّل الفراغ السوري بنيةً مفتوحةً على احتمالات التصعيد، وإعادة تشكيل خرائط النفوذ، من دون أفق سياسي واضح يضبط هذا الانزلاق. في ضوء ما سبق، تؤكّد أدبيات العدالة الانتقالية أنّ سدّ الفراغ السياسي لا يكتمل بالترتيبات الأمنية وحدها، بل يتطلّب معالجةَ الجراح الاجتماعية عبر المساءلة والمصالحة، حتّى لا تتحوّل المظلوميات المستعصية ماكينةً نشطة تعيد إنتاج العنف. ومن هذا المنظور، يكتسب تعريف عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر للدولة أهميةً مركزية، إذ يرى جوهرها متمثّلاً في احتكارها المشروع القوّة، وعندما يضعف هذا الاحتكار ويتفكّك، تتكاثر مراكز القوّة غير الرسمية، ويتحوّل العنف من أداةٍ بيد الدولة إلى لغةٍ بين الفاعلين، فيغدو المجتمع ساحة تنازعٍ، وليس إطاراً منظِّماً للحياة العامة. وهنا لا يكون الفراغ مجرَّد غيابٍ للأمن، بل هو اهتزاز في قلب الشرعية نفسها، وتراجع في قدرة الدولة على صناعة قواعد تحظى بالقبول والثقة. فالدولة ليست جهازاً إدارياً صرفاً، بل معنى جامع ينظّم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ويمنح القانون روحه وقوّته. وعندما يتصدّع هذا المعنى، يتّسع القلق، ويخيّم عدم اليقين، فتنكفئ الجماعات إلى هُويّاتٍ أولى، تبحث في الانتماء الضيّق عن طمأنينةٍ مفقودة. لذلك، لا يُختزل الفراغ بعد الحرب في أنه فرصة أو تهديد، بل هو لحظة امتحانٍ مصيرية: إمّا أن يتحوّل أساسَ دولةٍ تستمدّ شرعيتها من الناس، أو ينزلق إلى هشاشةٍ تتكرّر بصيغٍ جديدة، وتعيد إنتاج الأزمات وإن تبدّلت الأقنعة. وفي الحقيقة، لا تحتاج سورية إلى ترميم الحجر فحسب، بل إلى استعادة المعنى الذي يحميه؛ وإلا يبقى السلام هشّاً، ويظلّ الفراغ وعداً مؤجّلاً بالاضطراب. غير أنّ الفراغ الحالي ليس خاوياً تماماً، وإنما هو مزدحم بتوازناتٍ محلّية: من سلطة دمشق إلى القوى الكردية، وصولاً إلى تشكيلاتٍ متفرّقة تملك نفوذاً فعلياً على الأرض. وفي هذا التعقيد، لا يستطيع أيّ طرفٍ خارجي ملء المشهد منفرداً، بل يجد نفسه مضطرّاً للتعامل مع شبكةٍ متداخلة من المصالح والقوى. وسط هذا كلّه، يتقدّم الخطر الأكبر: تحوّل الفراغ إلى بيئةٍ خصبة لعودة التطرّف، مستفيداً من هشاشة المؤسّسات وتضارب الأجندات. وهنا لا يعود السؤال: من يملأ الفراغ، بل كيف سيتوزّع داخله، ومن ينجح في تحويله إلى توازنٍ مستقر، بدل أن يبقى ساحةَ صراع مفتوح؟ الاستقرار في سورية رهن بقدرة القيادات الوطنية على صياغة تسويةٍ قابلة للحياة في المحصّلة، تمضي سورية اليوم نحو إعادة تشكّلٍ معقّدة، فيما يبقى الاستقرار رهناً بقدرة القيادات الوطنية على صياغة تسويةٍ قابلة للحياة. وفي قلب هذه اللحظة، يبرُز منتدى "مسار" الذي أطلقه السياسي السوري وليد البنّي، دلالةً تتجاوز الحدث البروتوكولي إلى محاولةٍ لفتح نافذة في جدار الفراغ، بالتوازي مع لقاء أحمد معاذ الخطيب، وحديثه المطوّل عن الهُويّة السورية بوصفها مشروعاً سياسياً لا شعاراً، ودعوته إلى شراكةٍ وطنية وإعادة صياغةٍ دستورية أوسع تمثيلاً. غير أنّ الرهان لا يُحسم بحسن النيّات، بل بقدرة الخطاب الوطني، مهما بدا واضحاً ومؤثّراً، على التحوّل من فكرةٍ رومانسية إلى قوّةٍ فاعلة. فالتجربة القريبة تُظهر أنّ مبادراتٍ كهذه لا تملأ فراغاً بلا سندٍ تنظيمي، وامتدادٍ اجتماعي، وشبكة تحالفاتٍ متماسكة. ففي البيئات الانتقالية، لا تُقاس الفرص بالأرقام بل بمدى الانتشار، وبالقدرة على الاستقطاب ونيل الاعتراف، والتأثير في السياسات. وهنا يتكشّف الحدّ الفاصل بين مبادراتٍ تبقى في دائرة النُّخب، تلامس الرمزي، وأخرى تنجح في ملامسة المجتمع فتقترب من الفعل. فإمّا أن تتجذّر هذه الجهود في بنيةٍ تمثيلية حيّة، أو تبقى أصداءً في فضاءٍ مزدحم، لا تغيّر ميزان الفراغ بقدر ما تعكسه. فعلياً، حين تخرج الشعوب من حربٍ أهليةٍ طاحنة، لا يكون التحدّي الحقيقي في إسكات البنادق، بل في ملء الصمت الذي تتركه خلفها. وفي هذه المسافة الرمادية، يتحدّد مصير البلاد: إمّا أن يتحوّل الفراغُ جسراً نحو تأسيسٍ جديد، أو فجوةً تبتلع الجميع. فالخطر ليس في الرصاص فقط، بل في التردّد، وفي العجز عن بناء نظامٍ يليق بحجم التضحيات. بالتالي الفراغ السياسي ليس حياداً، بل قوّة صامتة تعيد تشكيل التوازنات، وتمنح الإحباط فرصةَ التسلّلِ إلى الشارع، فيصير الصبرُ قلقاً، والقلقُ غضباً سرعان ما ينزلق إلى موجاتٍ جديدة من العنف. نافل القول، لم يكن غيابُ القتال في سورية يوماً معيارَ الانتصار، ولا خفوت أنين القهر دليلاً على التعافي؛ فنجاح المرحلة الانتقالية يُقاس بقدرة الدولة والمجتمع على تحويل الفراغ إلى شراكةٍ جامعة، تُعيد الثقة إلى المجال العام، وتمنح السياسة معناها الأخلاقي بوصفها مساحةً للعيش المشترك لا ساحةً للغلبة. من دون ذلك، يبقى الفراغ السياسي جرحاً مفتوحاً يتبدّل شكله ولا يتغيّر جوهره، ويظلّ قابلاً لإعادة إنتاج الأزمات، وإنْ تعاقبت الوجوه وتبدّلت الخرائط.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows