Arab
في دوامة التمييز الواقع على النساء والمستمرّ يتعزّز مصطلح "تأنيث الفقر" وينمو باطراد عالمياً، على الرغم من التغيّرات الإيجابية بما يخصّ حقوق النساء من النواحي القانونية وبخاصة المتابعة الأممية، ومن الناحية الاقتصادية المُتعلّقة بانخراط أعداد أكبر من النساء في بيئات العمل وازدياد القدرات المالية للنساء. لكن الإفقار المُمنهج يبقى واقعاً تزيده الجغرافيا حدّةً وتمييزاً فاقعاً في البلاد التي تتآكل فيها حصص النساء المُستحَقة من الكرامة الإنسانية والاكتفاء الاقتصادي والمشاركة في ملفات التغيير وآلياته نحو العدالة.
في سورية زادت نسبة النساء الفقيرات في غضون عامٍ واحد، حتى العاملات منهن أصبحن في دائرة العوَز بعد تسريحهن من أعمالهن، أو بعد تخليهن عنها طوعاً، عبر تقديمهن الاستقالة من أعمالهن، بسبب أوامر مُفاجئة وسريعة بالنقل إلى أماكن عمل أخرى قد تبعد مئات الكيلومترات عن مكان السكن والعمل الأصلي، وربّما بسبب طردهن من البيوت أو الاستيلاء عليها أو عجزهن عن تسديد إيجاراتها، وربّما لأسباب تتعلّق بوفاة الأزواج أو خسارة الأزواج لأعمالهم ودخولهم بعد تسريحهم من العمل أيضاً. ولا بُدّ من الإشارة إلى أنّ بعض النساء فقدن مشاريعهن الصغيرة الخاصة والمُستقلة في المدن والريف معاً. إنّ فقر النساء هو فعلياً إحدى القواعد الهيكلية المتينة التي تعيق فوزهن بالمساواة وانطلاقهن إلى المشاركة المجتمعية والسياسية والاقتصادية حتى لتغطية حاجاتهن الأساسية اليومية. كلّ ما سبق وتفاصيل أخرى لا تُحصى تجعل من مواسم الأعياد مواسم بالغة القسوة، وتجعل النساء عاجزات عن تقديم الفرح المُرتجى أو إدارة العجز بأقلّ الطرق صعوبة وأوفرها عطاءً.
قرّرت سحر بمناسبة الأعياد، التي تزامن قدومها معاً وشكّل زحمةً في الأعياد، عيد الفطر وعيد الأم وعيد المعلم، أن تبدّد تلك القسوة المعيشية، خصوصاً بعد شهر صوم كان بالغ الصعوبة على الجميع بسبب تردّي الأوضاع الاقتصادية وضعف في القوّة الشرائية، صاحبهما ارتفاع حاد في أسعار المواد الغذائية، وصل بعضها إلى أكثر من خمسين بالمئة. بدأت العمل على مشروع مُرتجل قوامه كيسان من الطحين وافق أحدهم على التبرّع بقيمتيهما، وتمكّنت من إيجاد مُتبرّعين آخرين لمكوّنات كعك العيد من سكر وزيت وسمن نباتي وبعض أنواع الحشوة مثل العجوة أو النارنج مع بهارات خاصة لكعك العيد. كذلك أعدّت قائمة بعدد من النساء المتطوّعات لصناعة الكعك والمعمول بمن فيهن صاحب فرن للخبز الأسمر والكعك تطوّع لخَبز الحلويات كلّها في يوم محدّد، وتعهّد صديق بالتوصيل إلى عدّة نقاط في مدينة دمشق.
تتحوّل الأعياد إلى كوابيس موجعة، تفقد جذوتها الاحتفالية بسبب غياب الأحبة وتراجع الصحة الجسدية والنفسية، وخاصة للنساء الوحيدات
اعترضت هذه التجربة، على بساطتها وضآلة حجمها، مشاكل عديدة، أوّلها الحاجة المُتزايدة للأسر التي عبّرت صراحة بأنّ الحلوى قد تسرّبت كالهواء فور تسلّمها، وخصوصاً من الأطفال. كذلك اتسع الطلب بما يشبه العدوى، وخصوصاً من قبل عائلات تسكن أو تعيش قريباً أو ترتبط بقرابة مباشرة مثل الوالدين للعائلات التي سمحت الفرصة لها بأن تحصل على الحلويات.
في مبادرة أخرى، قرّرت رهام التخلّي عن مبلغ المائة دولار الذي أرسله إليها ابن أخيها معايدةً بمناسبة عيد الأم، لتدفعها ثمناً لعشرين عبوة من حبوب الكلس والفيتامين (د) للسيدات كبيرات السن في العائلة أو الجارات والصديقات، خصوصاً المُحتاجات طبياً لهذين المُكمّلين الأساسيين، وبتنَ اليوم في وضعٍ اقتصادي لا يسمح لهنّ بشراء أدويتهن، ولا بتعويض الفاقد الكبير من تلك الفيتامينات من الطعام الذي تحوّل بحدّ ذاته إلى شبح مخيف، وعنوانٍ ساطع ٍ للعجز المالي والصحي.
تتحوّل الأعياد إلى كوابيس موجعة، تفقد جذوتها الاحتفالية بسبب غياب الأحبة وتراجع الصحة الجسدية والنفسية، وبخاصة للنساء الوحيدات، كذلك يبلغ العجز فيها نسبةً غير قابلة للترميم أو للدعم، ما يؤكّد تثبيت تأنيث الفقر قاعدةً للتمييز ضدّ النساء.
Related News
طلب خاص من أرني سلوت قبل الرحيل.. ماذا قال لمحمد صلاح؟
al-ain
15 minutes ago