عربي
قضت الحاجة الفلسطينية أمينة ناصر سنوات حياتها لاجئة في لبنان تتنقّل من مخيمٍ إلى آخر، بعد أن هُجّرت رفقة أهلها من منزلهم وأرضهم في قرية كويكات بقضاء عكا، وهي طفلة لم تتجاوز العامين، ولا تزال تعيش النكبة بعد 78 عاماً.
ثمّة ذكريات لا تموت، بل تزداد اشتعالاً كلما مرّ عليها الزمان، وثمّة حكايات تسكن المرء قبل أن يسكنها. وُلدت أمينة ناصر في فلسطين، لكنّ قدمَيها لم تلمسا أرض وطنها منذ أن هُجّرت منه طفلة. غير أنّ فلسطين ظلّت محفورة في وجدانها من خلال كلمات والدتها التي حكت الكثير لها عن فلسطين؛ عن تلك الأرض في قرية كويكات شمال شرقي عكا، عن تراب فلسطين الغني بالحنين، وعن غرسٍ لم تأكل ثماره، بل التهمته نيران التهجير والغربة.
منذ تلك اللحظة التي غادرت فيها أمينة قريتها في قضاء عكا، وهي تحمل فلسطين في حكايات والدتها لا في ذاكرتها الغضّة؛ فقد كانت طفلة لم تتجاوز العامين حين انكسر بها الزمن، وأُجبرت رفقة ذويها على ترك بيتهم وأرضهم وقريتهم، قبل أن تصبح لاجئة في لبنان.
تقول الحاجة أمينة لـ"العربي الجديد": "كانت تخبرني والدتي عن الزرع في حقلنا الذي لم يشأ والدي تركه في الأرض، لكنّه لم يستطع حصده، وعن ذلك اليوم المشؤوم، يوم النكبة الفلسطينية في 15 مايو/أيار من العام 1948 حين اقتحموا حياتنا الهانئة، قتلوا شبابنا وتركوا كبار السنّ يرحلون قسراً حاملين معهم أوجاعهم. أجبروهم على الخروج، فغادروا بالملابس التي كانوا يرتدونها فقط، على أمل العودة، حين قالوا لهم "أسبوعاً وستعودون"، لكن الأسبوع صار عمراً، وتفرّقت بنا السبل وبتنا لاجئين بين لبنان والأردن والعراق".
بدايات الشقاء و"رحلة الشوادر"
تروي الحاجة أمينة كيف وصل أهلها حينذاك إلى بلدة عيتا الشعب في جنوب لبنان، ونزلوا ضيوفاً عند "أشخاصٍ كرام"، وتقول: "لاحقاً، استأجر أهلي منزلاً، لكن ضيق الحال جعل العيش مرّاً، ما اضطرّنا إلى الانتقال للسكن في مخيم برج البراجنة في ضاحية بيروت الجنوبية، وهناك بدأت رحلة الشوادر، إذ كانت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) قد بدأت بتوزيع الشوادر على الناس، وكان حجم الشادر يُعطى بحسب عدد أفراد الأسرة. كان نصيبنا شادراً صغيراً، لأننا كنا ثلاثة أشخاص فقط".
وتتابع اللاجئة التي يقارب عمرها الثمانين: "ستّة أعوامٍ عشناها في الخيام، نتقاسم الهواء والمياه والطعام مع باقي اللاجئين الفلسطينيين الذين تركوا أرضهم بالإكراه. كان مطر الشتاء صديق كلّ شادر، إذ إنّ المياه كانت تتسرّب منه مع كلّ عاصفة. كان والدي يخشى حتى دقّ مسمارٍ في خشبةٍ ضمن المخيم، خصوصاً أنّ القوانين اللبنانية بشأن اللاجئين الفلسطينيين تلاحقنا حتى في أبسط محاولات الاستقرار". وتخبر كيف كانت "الإعاشة" بمثابة الخلاص الوحيد، وهي عبارة عن كرتونة مؤونة كانت تقدمها "أونروا" لكلّ عائلة لاجئة، وكانت تتضمّن الطحين والسكر والزيت، وحتى السمك المجفّف والزبيب. وتقول: "كانت تلك حصتنا من البقاء، اعتمدنا عليها للعيش".
لقمة عيش مغمّسة بالتعب
وتضيف الحاجة أمينة: "كبرتُ وكبرت المسؤولية معي، فأنا أكبر إخوتي. تعلّمتُ في مدارس وكالة أونروا في لبنان التي كانت أيضاً عبارة عن شوادر، ثم تركتُ المدرسة في الصف السادس الأساسي، كي أساعد والدتي في أعمال التنظيف والاعتناء بإخوتي وتأمين المياه وقشّ الصنوبر لإشعاله واستخدامه في الطهو وتسخين مياه الاستحمام. كنتُ أذهب كلّ يوم مع عدد من اللاجئين إلى حرج بيروت (حديقة عامة) الذي تكثر فيه أشجار الصنوبر، حيث كنت أجمع القشّ وأُحضره لوالدتي". وتتابع: "كنتُ حينها في العاشرة من عمري، وقد اعتدتُ أن أحمل كيس الخيش على رأسي وأقصد كذلك حديقة قصقص في بيروت، لأجمع أكواز الصنوبر من أجل استخدامها في التدفئة والطبخ والاستحمام. أما المياه، فكانت قصة أخرى من الوجع؛ ننتظر الحصول عليها منذ ساعات الفجر، نركض نحو البساتين البعيدة ونحن نحمل علباً فارغة مصنوعة من التنك. أذكر مرة أنّ علبة التنك التي كانت مملوءة بالمياه علقت بسقف معدني، وسقطت عن رأسي، فوقعتُ أرضاً، وبكيتُ خوفاً من والدتي، ما اضطرّني إلى العودة مرة ثانية من أجل ملء تلك العلبة، وحينها رافقتُ ثلاث نساءٍ كنّ ذاهبات إلى البستان لإحضار المياه. ركضتُ مسرعةً لتعبئة المياه مرة ثانية، والعودة إلى المخيم قبل مغيب الشمس".
الحلم الموعود
تزوّجت أمينة في العام 1974، قبل اندلاع الحرب الأهلية في لبنان، وانتقلت مع زوجها إلى مخيم الرشيدية جنوبي لبنان، وكان يعمل حينها محاسباً. بعد ذلك سافرت معه إلى أبو ظبي سعياً وراء لقمة العيش، لكن الظروف منعتهما من البقاء هناك، بحسب قولها، وعادا إلى لبنان. وتضيف: "اشترينا بيتاً صغيراً في مخيم برج البراجنة في ضاحية بيروت الجنوبية. كان البيت مسقوفاً بمادة زينكو (صفائح معدنية)، ولاحقاً بنيناه حجراً فوق حجر، بكلّ كدّ وتعب. كبُر الأبناء، وتعلّموا، منهم مَن صار معلماً ومنهم مَن صار متخصصاً في مجال الكهرباء، لكن الغصّة بقيت في القلب؛ الحنين إلى الوطن".
عيونٌ ترنو إلى عكا
بحسرةٍ تسرد الحاجة أمينة المأساة، وتقول: "اليوم، وبعد مرور 78 عاماً على النكبة الفلسطينية، حين أنظر إلى ما يحدث في قطاع غزة، أرى شريط حياتي يُعاد أمامي من جديد؛ فالتاريخ يُعيد نفسه بالدماء والتهجير والعيش في الخيام. ما عانيناه منذ الطفولة يعانيه اليوم أهالي غزة. نحن الذين عشنا في الخيام، وتحت أسقفٍ مصنوعة من مادة زينكو، وبنينا البيوت بالدموع، ما زلنا ننتظر اللحظة التي يقولون فيها: "فلسطين تحرّرت، لنعود. عندها، سأترك كلّ شيء خلفي وأعود". وتختم بالقول: "لي بلادٌ هناك، ولي أرضٌ في كويكات لم تخرج من قلبي ووجداني على الإطلاق. الجميع يخشى وجودنا، لكنّنا لا نريد إلا حقنا؛ نريد أن نعود إلى بيوتنا بكرامةٍ لا ينكسر لها جبين".
