عربي
بينما تزداد التحديات الميدانية والإنسانية مع استمرار العدوان الإسرائيلي، تبقى مستشفيات الجنوب اللبناني شاهدة على معركة يومية للحفاظ على الحد الأدنى من الرعاية الصحية وإنقاذ الأرواح، حتى إنّ بعضها تحوّل ملاذاً للكوادر الطبية والتمريضية وعائلاتهم، ومن بينهم أطفال سيحملون ندوباً غائرة نتيجة الغارات القريبة.
لم تعد المستشفيات الحكومية والخاصة في جنوب لبنان مجرّد مرافق صحية تُعالج الجرحى والمرضى، بل تحوّلت مع تصاعد العدوان الإسرائيلي على البلاد، إلى خطوط مواجهة مفتوحة تعمل تحت القصف والإنذارات والخوف الدائم من الاستهداف. وبين مستشفيات النبطية وتبنين (محافظة النبطية) وصور (محافظة الجنوب)، يواصل الأطباء والممرضون والعاملون الصحيون أداء واجبهم الإنساني، رغم تقلّص أعداد الكوادر الطبية، ونزوح عائلاتهم، وتحوّل بعض أقسام المستشفيات إلى أماكن إيواء للنازحين. وفي وقت تزداد فيه الضغوط الميدانية والإنسانية، تبقى هذه المستشفيات شاهدة على معركة يومية للحفاظ على الحد الأدنى من الرعاية الصحية والحياة.
ووفق المكتب الإعلامي لوزارة الصحة العامة اللبنانية في 13 مايو/أيار الجاري، أخرج العدوان الإسرائيلي حتى اليوم ثلاثة مستشفيات عن الخدمة؛ وهي مستشفى ميس الجبل الحكومي، ومستشفى بنت جبيل الحكومي، ومستشفى الشهيد صلاح غندور في بنت جبيل، فضلاً عن تدميره 16 مستشفى في لبنان جزئياً أو كلّياً. أمّا في ضاحية بيروت الجنوبية، فقد أُعيد فتح كلّ من مستشفى الساحل ومستشفى الرسول الأعظم ومستشفى بهمن من أجل استقبال الجرحى والمرضى.
في قضاء بنت جبيل بمحافظة النبطية، يواصل مستشفى تبنين الحكومي عمله رغم تعرّضه لثمانية استهدافات طاولت محيطه، فيما يحاول القائمون عليه الحفاظ على جهوزيّته الطبية واللوجستية وسط ظروف بالغة الصعوبة. يقول مدير مستشفى تبنين الحكومي الدكتور محمد حمادي لـ"العربي الجديد"، إنّ المستشفى تعرّض لأضرار طاولت الزجاج والأبواب وبعض الأجهزة الطبية، إلا أنّه لا يزال يواصل أداء واجبه المهني والإنساني رغم الخطر المحيط به. ويتابع: "يعمل في المستشفى نحو 70 موظفاً من الكادر التمريضي والإداري، بينهم عشرة أطباء من اختصاصات مختلفة، ولا سيّما الجراحة والعظام، نظراً لأهمية هذه الاختصاصات في علاج جرحى الحرب".
وحول مدى كفاية الكادر الطبي للاستجابة الطارئة، يقول حمادي: "العدد كافٍ، وإذا احتجنا مزيداً من الأطباء يمكننا طلب أطباء إضافيين، علماً أنّ عدد العاملين في المستشفى قبل الحرب كان يقارب 200 موظف، نزح منهم 130 من مختلف الاختصاصات". وعن الجوانب اللوجستية، يشير حمادي إلى أنّ الاحتياجات الأساسية مؤمّنة، موضحاً أنّ وزارة الصحة اللبنانية، بالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومنظمة أطباء بلا حدود، تؤمّن الحاجات الضرورية، وفي مقدّمها الوقود، والأكسجين، والمستلزمات الطبية، والمواد الغذائية. ويضيف: "غالبية أفراد الكادر الطبي يبيتون داخل المستشفى، فضلاً عن ستّة أفراد من فريق اللجنة الدولية للصليب الأحمر". ويختم حمادي بالقول: "طالما أنّ الطرق لا تزال مفتوحة، فلا خطر من انقطاع المستلزمات الطبية، كما أنّ الجيش اللبناني يؤمّن المياه للمستشفى بشكل يومي".
أما في مدينة صور، فتأخذ الأزمة بُعداً إضافياً مع تحوّل بعض المستشفيات إلى ملاذٍ للكوادر الطبية وعائلاتهم، في ظل تزايد أعداد النازحين واستمرار الحاجة إلى الخدمات العلاجية، بما فيها العلاجات المزمنة والطارئة. ويتحدث مدير مستشفى جبل عامل الدكتور وائل مروة لـ"العربي الجديد" عن أوضاع المستشفى، مشيراً إلى أنّ أحد طوبقه تحوّل إلى مكان يؤوي عائلات من الكادر التمريضي، بعدما عجزوا عن إيجاد مكان ينزحون إليه، حيث تُؤمّن احتياجاتهم من طعام وشراب ونظافة شخصية. ويقول: "حتى اليوم، المستلزمات مؤمّنة، وهناك تعاون كبير مع وزارة الصحة اللبنانية، كما تساندنا اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومنظمة أطباء بلا حدود في تأمين المستلزمات، إذ يتحرّكون بغطاء أمني لإيصال المواد الطبية". ويتخوّف مروة من الإنذارات الإسرائيلية التي باتت على مقربة من المستشفى، ومن نفاد كميات الوقود في حال أُعيد استهداف جسر القاسمية الذي يربط بين مدينتَي صور وصيدا (المدخل الجنوبي للعاصمة).
ويعمل في مستشفى جبل عامل حالياً 120 موظفاً، بينهم 40 طبيباً من مختلف الاختصاصات، ولا سيّما أنّ المستشفى يستقبل المرضى والنازحين في صور، الذين يبلغ عددهم قرابة 80 ألف نازح، وفق مروة. ويتابع: "كما أنّ قسم العلاج الكيميائي لمرضى السرطان لا يزال يعمل، وهناك مرضى يتلقّون علاجاتهم التي تصل عبر وزارة الصحة العامة إلى المستشفى".
وفي الأيام الاعتيادية، كان المستشفى يضمّ 400 موظف من الكوادر الطبية، ويعتبر مروة أنّ نزوح غالبيتهم أمر طبيعي ومعتاد في الحروب. ويلفت إلى أنّ "جميع جرحى الحرب والنازحين يتلقّون العلاج على نفقة وزارة الصحة التي لا تتعامل مع المستشفى على أنّه مستشفى خاص، بل بوصفه مستشفى حكوميا من أولوياتها ومسؤولياتها". ويختم مروة بالقول: "نحاول قدر الإمكان تخزين المواد الغذائية، خوفاً من ازدياد حدّة العدوان وعدم وصول المساعدات، كذلك يفعل كثيرون في مدينة صور، إذ يخزّنون كميات كبيرة من المواد الغذائية ومستلزمات النظافة، خشية تعذّر وصول المساعدات".
وفي موازاة التحديات الطبية واللوجستية، يتولّى مدير القسم التمريضي في مستشفى جبل عامل حسين أحمد مهمة أخرى لا تقلّ صعوبة عن العمل التمريضي، تتمثّل في تأمين الإيواء والظروف المعيشية الملائمة لعائلات وأقارب الموظفين الذين نزحوا إلى المستشفى. ويقول أحمد لـ"العربي الجديد": "قد يظنّ البعض أنّ الضغط النفسي يرتبط فقط بمشاهد الدماء والجرحى، لكنه أيضاً نابع من مشهد النزوح وكسرة الأهالي". ويضيف: "أخيراً، مع اشتداد القصف على محيط مدينة صور، امتلأت الشوارع المحاذية للمستشفى بسيارات عددٍ من أهالي المدينة الذين أمضوا ليلتهم في داخلها، ولم يطلبوا من إدارة المستشفى سوى السماح لهم باستخدام المراحيض". ويتابع: "هذه الحرب أصعب من حرب العام 2024، سواء لناحية حدّة القصف والغارات الإسرائيلية، أو الضربات المدفعية التي باتت على مقربة منا، أو من حيث أعداد الشهداء والجرحى".
وتضمّ مدينة صور ثلاثة مستشفيات أخرى؛ هي المستشفى اللبناني الإيطالي، ومستشفى حيرام، ومستشفى صور الحكومي. في حين تبدو محافظة النبطية أمام واقع أكثر خطورة، مع تجدّد الإنذارات الإسرائيلية واتّساع رقعة القصف المدفعي، ما يضع المستشفيات والطواقم الطبية أمام ضغط يومي متصاعد، لا يقتصر على استقبال الجرحى، بل يمتد إلى مواجهة الأعباء النفسية والإنسانية للحرب. ففي قرى قضاء النبطية، تتجدّد الإنذارات الإسرائيلية بشكل يومي، ويشتدّ القصف المدفعي بصورة كبيرة. ويقول مدير مستشفى النبطية الحكومي الدكتور حسن وزنة لـ"العربي الجديد": "يصل يومياً أكثر من عشرة جرحى إلى المستشفى، وطالما أنّ الطريق التي تربطنا بصيدا وبيروت سالكة، فلا خوف من انقطاع المستلزمات الطبية أو الوقود". ولمناسبة اليوم العالمي للتمريض الموافق في 12 مايو من كل عام، أقام وزنة احتفالاً بسيطاً للكادر التمريضي، حيّا فيه جهودهم وصمودهم، في ظلّ العمل المتواصل وابتعادهم عن عائلاتهم من أجل واجبهم المهني والإنساني.
وقبل بدء الهدنة بين لبنان وإسرائيل في 17 إبريل/نيسان الماضي، كان المستشفى يضمّ قرابة 40 عائلة من أهالي الكادر الصحي، ولا سيّما العاملين في مجال التمريض. ومع بدء الهدنة، طلب وزنة منهم الانتقال إلى أماكن آمنة، معتبراً أنّ وجود الأهالي داخل المستشفى يسبّب إرباكاً، وقد يعيق العمل، إلا أنّ 10 عائلات لا تزال موجودة فيه، فيما نصب بعض أهالي مدينة النبطية خيماً في محيط المستشفى، وهم من العائلات التي رفضت النزوح من منطقتها. ويضمّ مستشفى النبطية الحكومي اليوم 100 موظف من الكادر الطبي، إلى جانب أطباء من مختلف الاختصاصات، في حين كان عدد العاملين فيه قبل الحرب يقارب 400 موظف، وفق وزنة. وعلى الرغم من تصاعد الاستهدافات، ولا سيّما تلك التي تطاول الفرق الإسعافية، يشير وزنة إلى أنّ "الكوادر الموجودة في المستشفى كافية للقيام بعملها".
وفي ظلّ التحديات التي يواجهها مستشفى النبطية الحكومي، يتحدّث علي عميص، المشرف على الكادر التمريضي والمسؤول خلال الحرب عن قسم الطوارئ، عن صعوبة العمل، ليس فقط لناحية أداء الواجب الإنساني وسط خطر الاستهداف، بل أيضاً بسبب القلق على عائلات العاملين الذين نزحوا إلى مناطق آمنة، لكنّهم قد يتعرضون لمضايقات وظروف قاسية. ويضيف عميص لـ"العربي الجديد": "هناك عائلات تبيت معنا داخل المستشفى، من بينها أطفال يتعرضون لنوبات هلع ورعب من جراء القصف العنيف، ولا سيّما أنّ القصف المدفعي لا يتوقف ليلاً، وهؤلاء الأطفال سيحملون ندوباً كبيرة".
ويقول عميص إنّ "الوضع في النبطية ازداد سوءاً منذ بدء الهدنة، وخلال الأيام الأخيرة استقبلنا أعداداً كبيرة من الشهداء والجرحى". ويتابع: "من أقسى المشاهد التي نواجهها خلال عملنا في الحروب، استقبال شهداء من الجنسيتين السورية والإثيوبية، إذ يبقون في برادات الموتى لعدم وجود أقارب أو معارف يتولّون دفنهم. هناك أيضاً فئة من المواطنين تموت بصمت، وكأنّها مجرد أرقام". ويُبدي عميص تخوّفه من الاستهدافات الإسرائيلية المستمرة للطواقم الإسعافية، معتبراً أنّها "جريمة حرب موصوفة بحق أشخاص يُفترض أن يكونوا محميّين بموجب القانون الدولي". ولا يستبعد "أن تكون المستشفيات أهدافاً لهذا العدو الهمجي، تماماً كما حصل في غزة". ويختم بالقول: "نقوم بواجبنا الإنساني، وقد سلّمنا أمرنا لله".
وفي مدينة النبطية مستشفيان آخران، هما مستشفى النجدة الشعبية ومستشفى الشيخ راغب حرب الجامعي. وقد تحوّل مستشفى النجدة الشعبية إلى ما يشبه المستشفى الميداني، بعدما كان موظّفوه يأملون في عودة العمل بشكل طبيعي، مع دخول الهدنة حيّز التنفيذ. وتقول مديرة المستشفى الدكتورة منى أبو زيد لـ"العربي الجديد": "الأمور تتصاعد بشكل كبير وخطير، وهناك عدد من المدنيين يحتمون داخل المستشفى بعدما ظنّوا أنّ الهدنة ستُعيد لهم الحياة". وبحسب أبو زيد، لا يوجد نقص في الأدوات والمستلزمات الطبية حتى الآن، لكنّ هناك خشية من محاصرة المستشفى وتعرّضه لسيناريو مشابه لما تشهده القرى الحدودية، ولا سيّما مع ورود معلومات عن وصول جيش الاحتلال الإسرائيلي إلى منطقة زوطر القريبة جداً من مدينة النبطية. وتضيف: "هناك خوف من استهداف الأوتوستراد الذي يربطنا بمدينة صيدا والعاصمة بيروت، مع استمرار القصف العنيف على مقربة منا". وتشير أبو زيد إلى أنّ المستشفى يضمّ حالياً 95 موظفاً بين الكادر التمريضي والإداري والتقني، إضافة إلى عشرة أطباء من مختلف الاختصاصات، "لكن هناك نقصاً في اختصاص جراحة العظام".
وتتحدّث أبو زيد عن الوضع النفسي للأطباء، خصوصاً مع ارتفاع أعداد الإصابات، مشيرةً إلى أنّ بعضهم "بات يحتاج إلى الراحة ليستطيع الاستمرار في أداء واجبه". وتتابع: "ما يحصل اليوم في الجنوب اللبناني مختلف تماماً عن حرب العام 2024، هناك تحديات كبيرة، ونأمل في أن يستمر دعم اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومنظمة أطباء بلا حدود، لأنّ غياب المنظمات الدولية سيؤدي إلى نقص كبير في المعدات الطبية والمواد الغذائية". ويضمّ مستشفى النجدة الشعبية كذلك فرقاً إسعافية تابعة للدفاع المدني اللبناني والصليب الأحمر اللبناني، وتختم أبو زيد بالقول: "نعتبر أرواح هؤلاء مسؤولية تقع على عاتقنا أيضاً".
