عربي
أُغلق المجال الجوي فوق مطار هلسنكي في فنلندا نحو ثلاث ساعات صباح اليوم الجمعة بعد رصد محتمل لنشاط طائرات مسيّرة، ما أدى إلى تعليق جميع الرحلات المغادرة والقادمة، وإرباك حركة السفر في واحد من أكثر مطارات شمال أوروبا ازدحاماً. وقالت إدارة المطار إن الإغلاق إجراء احترازي عقب بلاغات عن نشاط جوي غير محدد، استدعى وقف العمليات الجوية مؤقتاً إلى حين التأكد من سلامة المجال الجوي، وهو ما تسبب في تأخيرات وإلغاءات لعدد من الرحلات. وفي أول تعليق رسمي، أكد الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب أن بلاده "لا تواجه أي تهديد عسكري مباشر"، مشيراً إلى أن سرعة استجابة السلطات تعكس جاهزية عالية للتعامل مع مثل هذه الحالات، من دون تقديم تفاصيل إضافية حول طبيعة الرصد.
وبحسب وزارة الدفاع الفنلندية، وصل التحذير الأولي بشأن احتمال وجود طائرات مسيّرة في وقت مبكر من صباح اليوم، فيما لم تؤكد التحقيقات الأولية وجود أي طائرات غير مصرح بها داخل المجال الجوي الفنلندي، وفق ما نقلت هيئة البث العام الفنلندية. كما أصدرت السلطات في منطقة أوسيما، التي تضم العاصمة والمطار، تحذيرات للسكان، وطلبت منهم البقاء في منازلهم لفترة وجيزة في إجراء وقائي، قبل أن تعود الحركة تدريجياً إلى طبيعتها. وأعلنت وزيرة الداخلية ماري رانتانين لاحقاً أن الوضع مستقر، وأن التنقل أصبح آمناً.
نمط متكرر في شمال أوروبا
ويعكس الحادث ارتفاع حساسية الدول الأوروبية تجاه أي نشاط جوي غير مفسر، في ظل تزايد استخدام الطائرات المسيّرة في النزاعات الحديثة، إذ إن حادثة هلسنكي تأتي ضمن سلسلة إنذارات مشابهة في اسكندنافيا ودول البلطيق خلال السنوات الأخيرة، عززت مستوى التأهب الأمني في محيط البنية التحتية الحيوية. وفي السويد، سُجلت في سبتمبر/ أيلول 2023 حالة إنذار قرب منشآت عسكرية في ستوكهولم بعد رصد طائرات مسيّرة مجهولة، ما دفع إلى فتح تحقيق من دون تحديد مصدرها.
كما شهد مطار كوبنهاغن خلال عامي 2024 و2025 عدة بلاغات عن نشاط جوي لطائرات مسيّرة قرب مسارات الإقلاع، ما أدى إلى تحويل وإلغاء رحلات وإغلاق مؤقت للمجال الجوي. كذلك، سُجلت في الدنمارك، في سبتمبر/ أيلول 2022، حوادث تحليق مسيّرات قرب منصات "إسبرغ" في بحر الشمال و"إيست سي" في بحر البلطيق. أما مطار أوسلو، فقد شهد بدوره تحذيرات متكررة خلال الفترة نفسها بسبب رصد مسيّرات قرب محيطه، ما تسبب في تعطيل جزئي لحركة الطيران. ورغم تكرار هذه الحوادث، لم تؤكد السلطات في أي من الحالات وجود تهديد مباشر أو جهة مسؤولة، ما جعلها تُصنَّف رسمياً ضمن "النشاطات غير محددة المصدر".
اتهامات بلا أدلة... وفرضيات مفتوحة
في النقاش الأمني في شمال أوروبا، تتصدر روسيا قائمة الاتهامات السياسية والإعلامية في ظل الحرب في أوكرانيا وتوتر العلاقات مع دول حلف شمال الأطلسي (ناتو)، مع فرضيات تشير إلى أن بعض هذه الحوادث قد يكون اختباراً غير مباشر لمدى جاهزية الدفاعات الجوية. غير أن موسكو تنفي باستمرار أي صلة لها بهذه الأنشطة. في المقابل، لا يستبعد خبراء أمنيون أن تكون بعض الإنذارات ناتجة عن استخدام مدني أو تجاري غير منظم للطائرات المسيّرة، سواء من هواة أو شركات تعمل قرب المطارات، ما يؤدي إلى إنذارات لا يُثبت لاحقاً أنها تهديدات فعلية.
وتتعامل أوروبا مع هذا التهديد عبر إعادة تشكيل منظومة الأمن الجوي على مستويات متداخلة: وطنية، وأوروبية، وأطلسية. فعلى المستوى الوطني، تُعزَّز أنظمة الرصد المبكر والرادارات المتقدمة، إلى جانب تقنيات التشويش الإلكتروني واعتراض الإشارات والسيطرة على المسيّرات، مع تشديد الحماية حول المطارات والبنية التحتية الحيوية، وتحديث القوانين المنظمة لاستخدامها.
أما على المستوى الجماعي، فيتجه الاتحاد الأوروبي إلى بناء منظومة مشتركة للدفاع ضد المسيّرات عبر توحيد أنظمة الرصد والاعتراض، وتوسيع تبادل المعلومات الاستخباراتية، والدفع نحو مشتريات دفاعية موحدة، خصوصاً في مناطق دول الشمال والبلطيق. وفي إطار حلف الناتو، يجري إدماج تهديد المسيّرات ضمن منظومة الدفاع الجوي الشامل، مع تكثيف التدريبات المشتركة ورفع الجاهزية في الجناح الشرقي والشمالي للحلف.
وبين هذه المستويات، لم تعد المسيّرات تُعامل بوصفها حوادث معزولة، بل باعتبارها تحولاً بنيوياً في طبيعة التهديدات، يفرض انتقالاً نحو أمن جوي أكثر مرونة في مواجهة أدوات صغيرة ورخيصة، لكنها قادرة على إرباك منشآت استراتيجية وشل الحركة المدنية. ومع غياب أدلة حاسمة، يبقى المشهد مفتوحاً على فرضيات متعددة، ما يجعل هذا الملف واحداً من أكثر ملفات الأمن الأوروبي حساسية في المرحلة الراهنة.
