عربي
شهدت العلاقات السورية المغربية خلال العقود الماضية تقلبات عدة نتيجة تباين المواقف تجاه ملفات إقليمية حساسة، أبرزها قضية الصحراء المغربية والعلاقات العربية الإسرائيلية، ثم لاحقاً التطورات داخل سورية نفسها. غير أن التطورات الأخيرة التي شهدتها المنطقة، خاصة بعد سقوط نظام بشار الأسد وبدء مرحلة سياسية جديدة في دمشق، أعادت فتح الباب أمام إعادة صياغة العلاقات بين الجانبين على نحو أكثر واقعية وبراغماتية.
ووصف وزير الخارجية السوري أسعد حسن الشيباني، أمس الخميس، العلاقات السورية المغربية بأنها تاريخية، مشيراً إلى "الموقف الإنساني والأخلاقي والسياسي المشرف" الذي تبنته الرباط دعماً لتطلعات الشعب السوري خلال السنوات الأربع عشرة الماضية.
وخلال مؤتمر صحافي مشترك مع وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة في الرباط، أعلن الشيباني افتتاح السفارة السورية في المغرب، معرباً عن تطلع دمشق إلى زيارة مرتقبة لبوريطة إلى سورية من أجل افتتاح السفارة المغربية في دمشق، بعد سنوات طويلة من الإغلاق والقطيعة. وأكد الجانبان الاتفاق على إطلاق مسار شامل للعلاقات الثنائية يبدأ بالتنسيق السياسي والدبلوماسي، ثم يمتد إلى التعاون الاقتصادي والتجاري والتعليمي، مع تأسيس مجلس مشترك لرجال الأعمال، والاستفادة من التجربة المغربية في عدد من القطاعات التنموية.
من جهته، شدد وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة على أن المملكة ظلت واضحة في دعمها لتطلعات الشعب السوري نحو الحرية والكرامة، إلى جانب دعمها لوحدة الأراضي السورية وسيادتها الوطنية، مرحباً بالإجراءات التي اتخذتها السلطات السورية الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع لإنجاح مرحلة الانتقال السياسي.
وتعود العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وسورية إلى خمسينيات القرن الماضي، حين اتجهت الرباط نحو تعزيز علاقاتها العربية والانخراط في العمل المشترك داخل جامعة الدول العربية.
ورغم اختلاف طبيعة النظامين السياسيين، شهدت العلاقات فترات من التنسيق والتقارب، خصوصاً خلال حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، عندما شارك المغرب بقوات عسكرية على الجبهة السورية دعماً للمعركة ضد الاحتلال الإسرائيلي، وهو ما ترك أثراً إيجابياً في الذاكرة السورية. لكن هذا التقارب لم يمنع ظهور توترات مبكرة بدأت مع زيارة رئيس وزراء إسرائيل الأسبق شمعون بيريز إلى المغرب عام 1986، ليبادر رئيس النظام السوري آنذاك حافظ الأسد إلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب.
نزاع الصحراء
ظل ملف الصحراء المغربية أبرز نقاط التوتر بين الجانبين لعقود طويلة، خاصة بعد اعتراف النظام السوري سنة 1980 بما يسمى "الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية"، ودعمه السياسي لجبهة البوليساريو الانفصالية، الأمر الذي اعتبره المغرب مساساً مباشراً بوحدة أراضيه.
وأدخل هذا الموقف العلاقات الثنائية في مرحلة طويلة من البرود، خصوصاً في ظل تموضع سورية داخل ما كان يعرف بمحور "الصمود والتصدي"، الذي كان يتبنى مواقف متشددة تجاه عدد من الأنظمة العربية المعتدلة، ومنها المغرب.
ورغم حدة الخلافات، عرفت العلاقات نوعاً من الانفراج خلال تسعينيات القرن الماضي، مع تبادل الزيارات الرسمية، أبرزها زيارة الملك الحسن الثاني إلى دمشق سنة 1992، ثم زيارة الملك محمد السادس إلى سورية سنة 2001، في محاولة لفتح صفحة جديدة بين البلدين.
الثورة السورية
لكن اندلاع الثورة السورية عام 2011 أعاد العلاقات إلى نقطة الصفر، بعدما اتخذ المغرب موقفاً داعماً لمطالب الشعب السوري، وأدان العنف الذي مارسه نظام بشار الأسد ضد المحتجين السلميين.
وفي سنة 2012، قررت الرباط طرد السفير السوري وإغلاق سفارتها في دمشق بسبب سياسة القمع التي انتهجها النظام ضد المحتجين، مع تمسك المغرب بمبدأ دعم الحلول السياسية ورفض التدخلات الخارجية.
وبدأت مؤشرات التقارب الجديد بين البلدين تظهر بوضوح بعد سقوط نظام الأسد، حيث بادرت الرباط إلى إعادة فتح قنوات التواصل مع دمشق، وأعلنت في مايو/أيار 2025 إعادة افتتاح سفارتها في العاصمة السورية بعد إغلاق دام 13 عاماً.
كما شهدت العلاقات خطوة رمزية مهمة تمثلت في إغلاق السلطات السورية الجديدة مكاتب جبهة البوليساريو في دمشق، بحضور مسؤولين مغاربة وسوريين، في رسالة سياسية اعتُبرت تحولاً نوعياً في موقف دمشق تجاه قضية الصحراء المغربية.
وفي البيان المشترك الذي أعقب مباحثات وزيري الخارجية السوري والمغربي في الرباط، أكدت سورية دعمها الكامل للوحدة الترابية للمملكة المغربية وسيادتها على كامل أراضيها، مرحبة بقرار مجلس الأمن الأخير الذي يدعم الحلول السياسية للنزاع حول الصحراء.
صفحة جديدة
يبدو أن الرباط ودمشق تتجهان اليوم نحو بناء مرحلة جديدة من العلاقات تقوم على المصالح المشتركة والتعاون البراغماتي، بعيداً عن المناكفات السياسية التي طبعت العقود السابقة.
ورأى المحلل السياسي غازي دحمان، في حديثه مع "العربي الجديد"، أن المغرب، الذي تمسك طوال الأزمة السورية بخطاب يدعو إلى الحفاظ على وحدة سورية وسيادتها، يرى في المرحلة الجديدة فرصة لإعادة بناء علاقات مستقرة مع دمشق، خاصة بعد التحولات السياسية التي شهدتها البلاد.
وفي المقابل، يضيف دحمان، تسعى القيادة السورية الجديدة إلى إعادة التموضع عربياً وإرسال رسائل طمأنة إلى الدول العربية، من خلال تبني خطاب أكثر انفتاحاً وواقعية، بما في ذلك مراجعة المواقف السابقة المرتبطة بملف الصحراء المغربية. ورأى أن مستقبل العلاقات السورية المغربية سيتوقف إلى حد كبير على قدرة الطرفين على تجاوز إرث الخلافات القديمة، وتحويل صفحة التقارب الحالية إلى شراكة حقيقية تشمل المجالات السياسية والاقتصادية والاستثمارية والثقافية.

أخبار ذات صلة.
مانويل نوير يمدد عقده مع بايرن لمدة عام
الشرق الأوسط
منذ 12 دقيقة