عربي
حين كشف الصحافي العراقي عمار سلمان ملفات فساد كبيرة، لم يظهر باسمه الحقيقي. يقول إن بقاء هويته مخفية كان شرطاً أساسياً للاستمرار في العمل، رغم أن القضايا التي شارك في الكشف عنها "لقيت صدى كبيراً لدى الشارع والجهات الرسمية". ويضيف لـ"العربي الجديد": "لو كان هناك ما يحميني لعملت على هذه الملفات علناً، كاشفاً عن هويتي، ولكنت الآن من بين أشهر الصحافيين".
هذا الخوف من الظهور العلني لا يبدو حالة فردية في العراق، بل جزءاً من مشهد أوسع يثير قلق الأوساط الإعلامية والحقوقية، في ظل تصاعد الانتهاكات ضد الصحافيين، وتزايد الضغوط السياسية والقانونية والمهنية التي تدفع كثيرين إلى ممارسة الرقابة الذاتية أو العمل بأسماء مستعارة.
في هذا السياق، حذّر المرصد العراقي لحقوق الإنسان (منظمة غير حكومية) من تصاعد "العنف العشوائي" ضد الصحافيين، ونبّه إلى أن البلاد دخلت مرحلة أكثر خطورة عنوانها "مأسسة القمع" عبر القوانين والإجراءات الإدارية والملاحقات القضائية. وأشار المرصد، في بيان نُشر أخيراً، إلى أن العراق يشهد واحداً من أسوأ التراجعات في حرية الصحافة منذ عام 2003، وسط تنامي حملات الترهيب والتضييق على الصحافيين والناشطين.
وأوضح أن المشهد لم يعد مجرد تضييق تقليدي على حرية التعبير، بل تحول إلى "إغلاق منظم للمجال العام" تشارك فيه جهات متعددة، عبر أدوات قانونية وأمنية وإعلامية تدفع الصحافيين نحو الصمت أو الرقابة الذاتية. وأفاد بأنه وثق عشرات الانتهاكات خلال العام الماضي ومطلع العام الحالي، شملت اعتداءات جسدية، ومنعاً من التغطية، وتحطيم معدات إعلامية، فضلاً عن تصاعد استخدام الدعاوى القضائية وسيلة ضغط على الصحافيين، في ظل استمرار العمل بقوانين قديمة تُستخدم لتقييد حرية التعبير.
وتتقاطع هذه التحذيرات مع ما وثقته منظمة مراسلون بلا حدود التي خفّضت تصنيف العراق في مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2026 إلى المرتبة 162 من أصل 180 دولة، بعدما كان في المرتبة 155 خلال عام 2025. وترى المنظمة أن الصحافيين في العراق عالقون "بين مطرقة عدم الاستقرار السياسي وسندان الضغوط المالية"، في ظل ضعف الدولة ومؤسساتها وعجزها عن توفير الحماية، وتشير إلى أن المشهد الإعلامي بات خاضعاً بصورة واسعة للاستقطاب السياسي والطائفي.
وبحسب "مراسلون بلا حدود"، أصبحت المعلومات المستقلة والمتوازنة "شبه معدومة" نتيجة الاستقطاب الحاد والتأثير السياسي المباشر على وسائل الإعلام، فيما يتعرض الصحافيون للتهديد بشكل متواصل منذ احتجاجات عام 2019، إلى جانب اعتداءات وأعمال نهب استهدفت مؤسسات إعلامية بسبب تغطيتها للتظاهرات المناهضة للفساد.
ترى المنظمة أن سنوات الديكتاتورية والحروب والغزو الأميركي رسّخت نظرة إلى الصحافة باعتبارها "تهديداً للأمة"، فيما تواصل بعض المؤسسات والشخصيات الدينية التعامل مع نفسها بوصفها فوق النقد والمساءلة، الأمر الذي يؤدي إلى ملاحقات ومنع نشر أو بث بدعوى "إهانة رموز وطنية أو دينية".
أما على المستوى الأمني، فتشير "مراسلون بلا حدود" إلى أن الصحافيين العراقيين ما زالوا يواجهون مخاطر السجن والاختطاف والقتل على أيدي جماعات مسلحة، سواء كانت تنظيمات جهادية أو مليشيات، بينما تمر جرائم كثيرة ضد الصحافيين من دون محاسبة، في وقت باتت فيه التهديدات والترهيب تطاول حتى الصحافيين الأقل شهرة، بعدما كانت تستهدف في السابق الأسماء المعروفة فقط.
الصحافي العراقي قاسم محمد علي يرمي باللائمة على الجهات الرسمية، ويتهمها بأنها "تكيل بمكيالين"، لافتاً إلى أن "الصحافيين الذين يعملون في مؤسسات سياسية أو تابعة لفصائل مسلحة، محميون من قبل هذه المؤسسات. نرى أنهم يفتحون ملفات شديدة الحساسية من دون أن يتعرضوا لتهديد أو خطف أو حالات أخرى".
يضيف لـ"العربي الجديد": "أما من يتعرضون لتهديدات واعتقال وتجاوز يصل إلى الضرب وتكسير الكاميرات فهؤلاء بالتأكيد صحافيون يعملون من دون حماية من جهة سياسية أو عسكرية رغم أنهم يلتزمون في أداء عملهم ضمن إطار القانون والمهنية". وبحسب علي، فإن فئة أخرى من الصحافيين باتت قادرة على كشف الحقائق والعمل بمهنية من دون حماية مباشرة، لكن من خلف أسماء مجهولة أو من خارج البلاد. ويوضح: "هؤلاء هم الذين ينشرون في حسابات مجهولة المكان والشخصية، ويعملون تحت أسماء وهمية، أو من هاجروا البلد ويقيمون في بلدان أخرى".
إن أراد الصحافي في العراق نقل الحقيقة كاملة عليه توقع كل شيء
هذا الخوف يدفع كثيرين إلى تجنب الحديث علناً حتى عن واقع المهنة نفسها. فقد امتنع عدد من الصحافيين عن الإدلاء بشهاداتهم لـ"العربي الجديد" خشية التعرض للأذى أو فقدان وظائفهم، فيما أكد بعضهم أنهم يتجنبون الخوض في ملفات حساسة تتعلق بالفساد أو بمسؤولين نافذين، حتى على مستوى الدرجات الوظيفية المتوسطة.
في الأنبار، يقول مراسل يعمل في واحدة من أبرز القنوات الفضائية العراقية إن "الصحافي في العراق إن أراد أن ينقل الحقيقة كاملة فعليه توقع كل شيء"، طالباً عدم الكشف عن هويته. ويشير إلى أن العمل الإعلامي شهد خلال الأعوام الأربعة الماضية تضييقاً متزايداً، خصوصاً عبر منع الصحافيين من التغطية بحجة عدم الحصول على الموافقات الرسمية، ولا سيما داخل المؤسسات الحكومية.
يضيف أن غياب قانون حق الحصول على المعلومة يجعل كثيراً من المؤسسات الحكومية غير راغبة في الإدلاء بأي تصريح من دون العودة إلى الجهات الرسمية المختصة بالإعلام والاتصال الحكومي، لافتاً أيضاً إلى تعرض موظفين حكوميين يعملون خارج أوقات الدوام في مؤسسات إعلامية لعقوبات تصل إلى نقلهم إلى مناطق بعيدة عن أماكن سكنهم.
ولا تتوقف الضغوط عند حدود التغطية اليومية. يعترف الصحافي الذي فضل في حديثه لـ"العربي الجديد" عدم ذكر اسمه الكامل الذي يشتهر به في الوسط الصحافي، مكتفياً باسم أحمد الكرعاوي، بأنه يخشى من عواقب أي حديث يدلي به عن الواقع الصحافي. ويتحدث عن "إجراءات تعسفية" تتصاعد خلال فترات الانتخابات، ويبين أن بعض الصحافيين "الموظفين" يُجبرون على الترويج لجهات سياسية أو مرشحين محددين، أو يتعرضون لضغوط مرتبطة بوظائفهم.
يقول إن بعض السياسيين التابعين لأحزاب متنفذة يمارسون ضغوطاً على قنوات فضائية "لفصل أي صحافي لا يتوافق توجهه مع سياسة القناة التي تأخذ مساراً دعائياً داعماً للكتل أو الأحزاب تلك". وبحسب الكرعاوي، فإن هذه الضغوط دفعت عدداً من الصحافيين إلى ترك المهنة أو البحث عن أعمال بديلة، فيما يمتنع كثيرون عن الحديث عما يتعرضون له خشية التعرض لـ"تهم كيدية" أو ملاحقات، ويؤكد أنه يعرف "عدداً من الناشطين وأصحاب الرأي تعرضوا للاعتقال، وجرى أيضاً غلق صفحات على منصات التواصل الاجتماعي".

أخبار ذات صلة.
اكتمال المحطات الرئيسة لمشروع «قطار الرياض»
الشرق الأوسط
منذ 12 دقيقة
النكبة الـ78 وأفول وهم أوسلو
العربي الجديد
منذ 21 دقيقة