عربي
خلال القرن العشرين الماضي، قُدِّمت كل وسيلة تكنولوجية ناشئة بوصفها عصا سحرية قادرة على أن تُحدث الانقلاب أو الثورة المطلوبة في مجال التعليم. وعليه، يمكن رصد أبرز خطوات التطور المعروفة التي برزت في هذا المجال. على أنّ هذا التطور لم يأتِ من فراغ، بل سبقته خطوات منحت الإنسان القدرة على القيام بما بلغه في سباقه العلمي. فمثلاً، جاءت الطباعة الورقية لتقطع مرحلة احتكار نسخ المعرفة يدوياً في الكنائس والأديرة والمساجد، فأطلقت نشر المعرفة على نطاق واسع.
في العقود اللاحقة تطوّرت آلات الطباعة تباعاً إلى ما نعرفه اليوم من تكنولوجيا وتقنيات. وخلال القرن العشرين قام التربويّون، ليس فقط بابتكار نظريات أفادت من التقدّم العلمي الواسع، بل بإدخال وسائط تقنية في العملية التربوية؛ ففي عشرينياته اقتحم الراديو هذا المضمار ونقلَ صوت "المعلّم الكفوء" إلى كل بيت وصفّ، محرّراً التعلّم من قيود المكان. وفي هذا المناخ ظهرت برامج تجاوزت الأهداف السياسية والدعائية إلى التعليمية وعلى صعيد تعليم اللغات والمواد الصفّية. ومن الصوت إلى الصورة في أربعينيات القرن المذكور، انتقلت العلوم من مجرّد السماع إلى مشاهدة معلّمين يُجرون اختبارات ويشرحون كما أساتذة صفوف الطلاب. يمكن وصف الاستعمال الواسع لشبكات الإنترنت في خلال تفشّي وباء كورونا بأنّه من دون شك تطوير لتلك القفزة القديمة.
هذا التطوّر، رغم القفزة التي أحدثها، لم يَقُد إلى التطابق مع التوقعات التي ظهرت لدى الشروع في تلك الأساليب. كانت هناك مراهنة أن تقود هذه الإنجازات إلى حلّ المعضلات التي لم تتمكّن المجتمعات من حلّها على صعيد المدرسة والجامعة والمعلم والأستاذ والمنهاج والطرائق وغيرها. فقد تبيّن أن ما تكرّر على ألسنة المسؤولين لا يعدو أن يدخل في باب المبالغة. وخلالها ظلّت صفوف المدرسة والجامعة في موقعها الحصين الذي لا يتزحزح بفعل الأثر الإيجابي المحدود للتطور التقني.
وبناءً عليه، حافظ المعلم والكتاب المدرسي والمحاضرات والمحاضرون على أدوارهم الحاسمة في العملية التعليمية. مع ظهور الإنترنت، شاع لدى كثير من الأوساط القول إنّ زمن الحرم الجامعي قد ولّى إلى غير رجعة، وبات بالإمكان الاستغناء عن الصفوف بالمتابعة البيتية. لا يستطيع أحد أن يُنكر أنّ هذا التقدم وسَّع من إفادة الطلاب عبر الدورات والمؤتمرات والندوات التي تُعقد عن بُعد، ما يساهم في تقديم الجديد في مجال الكشوفات والبرامج الدراسية وتوفير مشاقّ وأكلاف السفر.
إذن، ظَهر أنّ الادّعاءات التي أُطلقت حول التقنيات التعليمية الجديدة ليست صحيحة تماماً، وأنّ التقنيات القديمة نادراً ما تختفي بالكامل، بل تستمر في أداء دورٍ أكثر تخصّصاً، أو تندمج ضمن بيئة تقنية أوسع. أيّ أنّ هناك عملية جمع بين القديم والحديث، إذ يسيران معاً من خلال شبكات معقدة من الأفكار والممارسات المتداولة، ما يحول في المحصّلة دون بلوغ عملية "القطع المعرفي" المطلوبة التي تنسف القديم وتحلّ محله الجديد. ومثل هذا الوضع لا يقتصر على دول العالم الثالث حيث تُقاس كل المبادرات بالكلفة المادية، إذ يشمل الدول المتقدمة العريقة في مؤسّساتها التربوية والتعليمية. ومن خلال التقاليد التي سبق وأرستها، تستطيع أن تتابع الرسالة التي نشأت عليها منذ مئات السنين. لكنّها في المقابل، وتحت وطأة متطلبات سوق العمل الذي تهيمن عليه كبريات الشركات والرساميل المعولمة، تضطرّ إلى المزاوجة بين القديم الذي تُخفيه مع الحديث الذي تقدّم صورتها عليه.
(باحث وأكاديمي)

أخبار ذات صلة.
البنتاغون يوقف نشر 4 آلاف جندي في أوروبا
العربي الجديد
منذ 24 دقيقة