عربي
توقع مستوردون سودانيون تباطؤ حركة الاستيراد إلى مستويات كبيرة في البلاد، نتيجة السياسات الحكوميّة القاضية بزيادة الرسوم الخاصة بمعاملات الاستيراد، في ظلّ غياب توضيحات رسمية بشأن أسباب هذه التعديلات، ما خلق حالة من الارتباك.
وأفاد مستوردون وتجار بحدوث زيادات كبيرة في رسوم معاملات الاستيراد في السودان، وقالوا إنّ التعديلات الأخيرة رفعت التكلفة الأولية للإجراءات إلى نحو 500 ألف جنيه بعدما كانت تقارب 25 ألف جنيه، وأشار متعاملون إلى أنّ التكلفة صعدت من حوالى 200 ألف جنيه إلى ما يقارب 1.5 مليون جنيه لرسوم استيراد السيارات، ما أثّر على عمليات الشراء والتخليص في ظل ظروف اقتصادية صعبة يمرّ بها المستوردون، عقب القرارات الأخيرة التي شملت إيقاف استيراد عدد من السلع إلى السودان (الدولار= 600 جنيه تقريباً).
وقدّر مسؤولون في الغرفة القومية للمستوردين مبالغ استيراد احتياجات السودان بنحو 12 مليار دولار سنوياً، فيما تقول إحصائيات الحكومة إنّ الاستيراد يُكلف البلاد ما بين 8 و9 مليارات دولار. ويستورد السودان العديد من السلع الاستراتيجية، في مقدمتها الوقود والقمح والدواء، إلى جانب العديد من السلع الأخرى، بسبب ضعف الإنتاج ومشكلات تتعلق بارتفاع مدخلات الإنتاج، وقال مراقبون إنّ استمرار الغموض حول سياسات الرسوم قد يؤدي إلى تباطؤ في حركة الاستيراد، مع احتمالات انعكاس ذلك على توفر السلع وأسعارها في الأسواق.
وتزايدت الدعوات، وفقاً لمصادر تجارية، لمراجعة الرسوم الحالية بما يحقق توازناً بين احتياجات الدولة وتقليل الأعباء على المواطنين والقطاع الخاص، وأكد رئيس غرفة المستوردين السابق هاشم الفاضل أنّ هذا النظام يأتي ضمن سلسلة من الرسوم المتزايدة، التي تبدأ من رسوم الاستيراد، مروراً بنماذج (إي، إم)، وصولاً إلى رسوم الجمارك والموانئ والمواصفات.
وشدّد على أنّ المواطن هو المتضرّر الأول من هذه الأعباء وليس التاجر، وأضاف أن فرض الرسوم بهدف زيادة الإيرادات لن يحقق أهدافه، بل سيدفع التجار إلى العزوف عن الاستيراد أو تقليصه، داعياً المسؤولين إلى مراعاة الظروف القاسية التي يعيشها المواطن بعد الحرب وفقدانه لممتلكاته ومدخراته.
ويقول مختصون لـ"العربي الجديد" إنّ فرض الرسوم في وقت يشهد فيه الاقتصاد انهياراً واسعاً وارتفاعاً يومياً في معدلات التضخم وتراجعاً في القوة الشرائية، يفاقم الأزمات ويضغط على قطاع تجاري يعاني أصلاً من آثار الحرب وتضرّر سلاسل الإمداد، كما تدفع هذه الإجراءات نحو إغلاق المحالّ وتسريح العمال وارتفاع أسعار السلع وندرتها، في ظل استنزاف الاقتصاد الوطني ورؤوس الأموال المحدودة، ما يجعل الجبايات عبئاً إضافياً على المواطنين. في المقابل، تزايدت الدعوات داخل الأوساط التجارية لإعادة النظر في الرسوم الحالية، بما يحقق توازناً بين متطلبات الدولة الاقتصادية وتخفيف الأعباء على المستوردين والمستهلكين.
وانتقد تجار القرارات الحكومية، واصفين إياها بأنها بعيدة عن الواقع، مؤكدين أن استمرار النشاط التجاري أصبح شبه مستحيل مع ارتفاع تكاليف التشغيل وتذبذب سعر الصرف وزيادة أسعار المحروقات والرسوم، ما يجعلهم في مواجهة مباشرة مع ضغوط لا يمكن تحملها، وقالوا إنّ الدولة تعتمد كثيراً على الجبايات لتعويض تراجع الإيرادات، وهو ما يضعهم في موقع المستهدف الدائم، وأوضح أحد التجار أن الحكومة تنظر إليهم مصدراً وحيداً للضرائب والجبايات، بينما هم عاجزون عن الصمود أمام انهيار قيمة العملة وارتفاع تكاليف الوقود، لافتاً إلى أنّ السوق بات يترنح تحت وطأة هذه الأعباء.
وسبق أن أعلنت الحكومة، على لسان رئيس الوزراء، سلسلة قرارات وصفها بأنها "بشريات" تهدف إلى تخفيف الأعباء عن المتضرّرين من الحرب، مؤكداً إعفاء التجار من الرسوم ووقف الجبايات غير القانونية، تقديراً للظروف القاسية التي مر بها السوق بعد الهجمات التي شنتها مليشيا الدعم السريع.
ويقول معاوية أبايزيد، عضو الغرفة التجارية، إن زيادة تكاليف الواردات وارتفاع الأسعار ساهمت في انتشار بيع المنهوبات وزيادة عمليات السرقة واتساع أسواق المنهوبات في ولاية الخرطوم، كما أشار إلى أن الزيادات غير المدروسة في أسعار الوقود، إذ يبلغ السعر في مصر ما يعادل نحو 81 جنيهاً سودانياً، بينما يصل في السودان إلى 1640 جنيهاً سودانياً، إلى جانب ارتفاع الرسوم وتوقف الشحن من الإمارات وزيادة تكاليف السفر، كلها عوامل ستؤدي إلى تضاعف الأسعار وارتفاع غير مسبوق في مستوى الغلاء، وأضاف أنه "للأسف هناك غياب واضح للمصداقية في معالجة المشكلات الاقتصادية"، مشيراً إلى استمرار ارتفاع أسعار الوقود، كما قارن بين السودان ومصر، معتبراً أن السياسات في مصر أكثر استقراراً ووضوحاً رغم أن الوقود غير مدعوم.
وانتقد البيروقراطية في وزارة التجارة، معتبراً أنها ساهمت في إضعاف وفشل برنامج الأمل الاقتصادي، متسائلاً: "هل يعقل أن ترتفع رسوم تصديق الفاتورة المبدئية من مجانية إلى 25 ألف جنيه، ثم إلى 500 ألف جنيه؟ بل إنّ أي تعديل لاحق يجري بنفس التكلفة، ما يزيد الأعباء ويسهم في تفاقم الغلاء".
أما الخبير الاقتصادي الفاتح عثمان، فيرى أن التعديلات في الرسوم المفروضة على معاملات الاستيراد جرت في إطار تصحيح قيمة الرسوم التي لم تُعدّل منذ فترة طويلة، رغم التضخم الكبير في السودان وانهيار سعر صرف الجنيه السوداني.
وأوضح أنه بناءً على ذلك، لن تكون لهذه التعديلات أي آثار كبيرة على أسعار السلع في السودان، لأنها تظل رسوماً ضئيلة جداً مقارنة بفواتير الاستيراد الكلية، التي في معظمها تفوق هذه الرسوم بأكثر من 100 ألف مرة. ولذلك؛ يرى أن تأثيرها سيقتصر على المستوردين الصغار فحسب، دون انعكاسات تُذكر على أسعار السلع في السوق.

أخبار ذات صلة.
الهلال بطلاً لـ«كأس الملك»
الشرق الأوسط
منذ ساعتين