السودان يجرّب دبلوماسية الحرب
عربي
منذ ساعة
مشاركة
(1) كما صارع الناس، قبل سنوات قليلة، جائحة كوفيد – 19 التي عصفت بالبشر عصفاً، وحار بعدها، لا الأطباء وحدهم، بل الساسة أيضاً، فتبادلوا التهم والتنابز حول من أطلق الجائحة، إذ بدا أكثر المتابعين على قناعة بأنّها بفعل فاعل. كذلك حيّرتهم حرب السودان، وتساءلوا إن كانت بفعل فاعل. هي حرب اشتعلت في الداخل، ثم سرعان ما بان أنّ للخارج أيادٍ وأصابعَ ومسيّرات وصواريخ وذخائر. لقد بات واضحاً أنّ أوضاع البلاد، كلّما اشتدّت وتيرة القتال، تزداد تشابكاً وتعقيداً وتردّياً. ما إن فوجئ السودانيون بقصّة سمسارة المسيّرات والصواريخ، تلك التي احتجزتها شرطة كاليفورنيا لتورّطها في صفقات أسلحة إيرانية اشتُريت لمصلحة السودان، حتى شُغلوا بالهجوم السافر بالمسيّرات على مطار الخرطوم، في أوّل رحلة لطائرة سودانية قادمة من القاهرة. هكذا جاء التعقيد مضاعفاً بفعل أصابع خارجية تتّصل بالصفقة الإيرانية من جهة، ثم تعقيد آخر يتّصل باتهام الخرطوم لإثيوبيا، الجارة الشرقية للسودان، باستهداف مطار الخرطوم بالمسيّرات من أراضيها. (2) الغبار الذي ثار حول احتجاز السمسارة الحسناء، التي تورّطت في صفقة الأسلحة الإيرانية للسودان، ما كان ليأخذ بُعداً لافتاً للانتباه لولا أنّ الحادثة جرت خلال اندلاع الحرب الأميركية – الإسرائيلية ضدّ إيران. سيحاسب القضاء الأميركي السمسارة الحسناء الإيرانية، أمّا بقية السودانيين المتورّطين في تلك الصفقة، فقد فُتحت ملفّاتهم في الإمارات لملاحقتهم ومحاسبتهم قانونياً. طبعاً، ليس لسلطة بورتسودان (أو هي سلطة الخرطوم وقد عادت إلى العاصمة الرسمية) من صلة مباشرة بالصفقة، غير أنّ الملفّ قد ترك الخرطوم في حال من الاضطراب عجزت معه عن إبداء أيّ تصريح حول الحادثة. إلا أنّ استهداف مطار الخرطوم بالمسيّرات، ثم تصريح الخرطوم بعد ساعات أنّ لها من الدلائل ما يوكّد أنّ الاستهداف انطلق من مطار "بحر دار" من الأراضي الإثيوبية، أمر آخر. والملاحظ أنّ وزير الخارجية السوداني أعلن، بلهجة فيها بعض الحدّة، أنّ السودان قد قرّر استدعاء سفيره في أديس أبابا للتشاور، كما أنّه يحتفظ بحقّه في "ردّ الصاع صاعَين"، حسب عبارته النارية. (3) ولربّما امتلك الوزير السوداني ما يثبت اتهامه أثيوبيا، غير أن ردّة الفعل جاءت مستعجلةً، ومتجاوزةً للحصافة الدبلوماسية التي كانت ستحيله إلى مراعاة العلاقات الأزلية والجوار الممتدّ تاريخياً بين البلدَين اللذَين، برغم ما شهدت تلك العلاقات من توتّرات في أوقات سابقة، لم تصل إلى مستوى سحب السفراء وإعلان الردّ بصاعَين على الصاع الواحد، بما يشبه النيّة في إعلان الحرب. هي حرب اشتعلت في الداخل، ثم سرعان ما بان أنّ للخارج أيادٍ وأصابعَ ومسيّرات وصواريخ وذخائر ولعلّ تصرّف وزير الخارجية المكلّف، بتصريحاته الحادّة تلك، لم يترك فرصةً للأساليب الدبلوماسية وخياراتها، كأن تُعالَج الأمور بشيء من الحكمة والتدرّج في المعالجة. وحتى إنّ ظلّت عضوية السودان معلّقة في الاتحاد الأفريقي، فلن يمنع ذلك السلطة القائمة في السودان من رفع شكواها إلى الاتحاد، فيما لو استنفدت فرص الحوار المباشر مع بلدٍ مجاور، كان سبّاقاً إلى دعم الاستقرار في السودان بعد ثورة ديسمبر (2018). والأغرب أنّ وزير الخارجية السوداني المكلّف، صاحب ذلك التصريح الناري، سبق له أن مثّل بلاده سفيراً لدى إثيوبيا. وباعتبار ما له من صلات شخصية مع أهل السلطة في إثيوبيا، إبّان شَغله منصب السفير في أديس أبابا، لأمكن له، وهو الدبلوماسي المهني، أن يبادر شخصياً إلى احتواء الأزمة، قبل أن تستفحل ويستعصي حلّها. (4) من الواضح، لكلّ متابع لتطوّرات الحرب السودانية، أن تعقيداتها تتزايد يوماً بعد يوم، فيما القتال على أشدّه، تتصاعد وتيرته ساعةً بعد ساعة. صار الموت والجوع يفتكان بأهل البلاد قبل المرض. أجيال من الأطفال والصبية شبّت ولهيب النزاعات من حولها، فلا يرون أفقاً لمستقبل، ولا ينظرون خلفهم إلى ماضٍ يتشبثون به. طحن الجوع أناساً ينتظرون لقمة الكرامة بلا طائل، يقتاتون الحشائش، هم وبهائمهم، الأليفة والضالّة. أطفال في سنّ السادسة أو السابعة، حفاة ممدّون على التراب، هم وكرّاساتهم. محظوظون، لن تميّزهم المسيّرات ولا الطائرات، فهم يشاركون الترابَ لونه الداكن، والشمسَ لهيبها الحار. ومحظوظون أيضاً لأنّهم لا يسمعون ما يقال عنهم، ولا يرون صورهم في شاشات القنوات، ولا تصلهم بيانات الشجب والإدانة وتصريحات الحكام والوزراء. هم محظوظون للمرّة الثالثة لأنّهم لا يعرفون رجلاً اسمه "ترامب" يريد أن يحكم العالم.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية