الكونغرس يفتح ملفّ المنشآت النووية الإسرائيلية
عربي
منذ ساعة
مشاركة
يتباهى معظم الرؤساء الأميركيين بأنّ كلّاً منهم قدّم للدولة الإسرائيلية ما لم يقدّمه رئيس أميركي سابق. وتواكب هذا التباهي، في كلّ مرّة، موافقةٌ إسرائيليةٌ على هذه "الأفضلية"، سعياً نحو مزيد منها في عهد الرئيس المعني، ثمّ في العهود اللاحقة، فيصبح دعم دولة الاحتلال من ساكن البيت الأبيض معياراً أوّلَ لجدارة (وكفاءة) الرئيس المقصود، الذي قدّم أكثر من غيره أو أفضل من سابقيه، وفي انتظار أن يؤدّي الرئيس اللاحق خدمات أكبر... وهكذا دواليك. فالدعم يستحقّ أن يُنعت بهذا النعت حين يكون أكبر ممّا سبق. وبهذا يتبارى الرؤساء الأميركيون في البرهنة على كفاءتهم، عبر إظهار ما قدّموه، وما ينوون تقديمه، ليس إلى ناخبيهم، بل إلى دولة أجنبية هي الدولة الإسرائيلية. سعى الرئيس الحالي دونالد ترامب إلى إظهار مسافة بينه وبين الدولة العبرية حين صاغ عبارته: "لنجعل أميركا عظيمةً مرّةً أخرى"، مقرونةً بشعار: "أميركا أولاً". ولم يُعرف عنه اعتناقه الأيديولوجيا الصهيونية مثل سلفه جو بايدن. واجتهد في وضع خاتمة للحرب على غزّة في مستهلّ ولايته الثانية الحالية، وبدا مستعدّاً للتفاوض مع طهران، وذلك قبل أن يشرع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بزيارات مكوكية إلى البيت الأبيض. لم يرتح ترامب لها في البداية، حتى إنّه انتقد نتنياهو وأخذ عليه محاولة التلاعب به. وشيئاً فشيئاً أخذ الضيف الإسرائيلي الدائم يجد حظوةً لدى مُضيفه، بعد أن أفرط في امتداح شخص المضيف، وفي تزكيته من تل أبيب لنيل جائزة نوبل للسلام. وبعد أن أبدى نتنياهو موافقةً لفظيةً، أو من طرف اللسان، على مخطّطات ترامب "السلمية"، جرت الموافقة على خطّة البنود العشرين بشأن غزّة، ولم يمانع نتنياهو، الذي بدا أشبه بمستشار للأمن القومي الأميركي، مبدئياً من "التفاوض" مع طهران. وخلال هذا، كانت الخارجية الأميركية بقيادة ماركو روبيو تواظب على بث البيانات والتصريحات المطابقة للرؤية الإسرائيلية، فيما أبواب "البنتاغون" مفتوحة لتزويد تل أبيب بما تطلبه من أسلحة وذخائر ومُعدّات بالمجّان. ولم تمضِ سوى بضعة أسابيع، حتى تبيّن أنّ موافقة تل أبيب على وقف إطلاق النار لا تعني بالضرورة وقفاً لإطلاق النار، بل مجرّد خفض للتصعيد، ولتل أبيب أن تحدّد نسبة التخفيض هذه بحسب "حاجاتها الأمنية". والأمر نفسه مع اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل من جهة، ولبنان وحزب الله من جهة ثانية. فلتل أبيب أن تتعامل، على طريقتها، مع الاتفاق المبرم في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، وقبل بدء ولاية ترامب الثانية بسبعة أسابيع. يتعلّق الأمر بمنشآت نووية إسرائيلية، وبرؤوس نووية قد تبلغ 300، بحسب تقديرات متطابقة، بينها تقديرات معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام ووفقاً لتخريجة وزير الخارجية روبيو، الحرب في لبنان "فريدة من نوعها"، فهي متوقّفة على لبنان، لكنّها مستمرّة على حزب الله. وفيما قُتل مئات المدنيين في غزّة ولبنان في ظلّ سريان وقف إطلاق النار، فإنّه لا يحرّك ساكناً لدى البيت الأبيض أو وزارة الخارجية. وعلى هذا النحو من التدليس، وتسمية الأشياء بعكس مسمّياتها، يصوّر مسؤولون في واشنطن الوضع في الشرق الأوسط بأنّه آخذ في الهدوء، وأنّ مسار السلام الذي اختطّه البيت الأبيض لا يتزعزع. أمّا التفاوض مع طهران، ولكي يكون ناجعاً، فإنّه يتطلّب ممارسة ضغوط قصوى، بما ينسجم مع عقيدة السلام بالقوّة التي تجمع نتنياهو بترامب، وهو ما اقتنع به سيّد البيت الأبيض حين تشارك مع إسرائيل في شنّ حرب الـ12 يوماً بين 13 و24 يونيو/ حزيران 2025، وهي الحرب الأولى التي كسر فيها ترامب تعهّداته اللفظية السلمية، كما كانت الحرب الأولى التي تتشارك أميركا وإسرائيل في خوضها. وقد أبدى ترامب قناعته بأنّ قدرات إيران النووية قدّ دُمّرت. وقد شجعته هذه السابقة على القيام بعملية فنزويلا في الثالث من يناير/ كانون الثاني 2026، والتي نجحت قوات أميركية خلالها في اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته. وقد استنتج نتنياهو من هذه العملية العسكرية الخاطفة أنّ أميركا قادرة، بالمشاركة مع إسرائيل، على شنّ حرب ثانية على إيران من أجل القضاء على المرشد علي خامنئي، وإسقاط نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وتدمير ما تبقّى من مشروعها النووي، إذ محظور عليها امتلاك هذا المشروع "الذي يهدّد العالم"، وأنّ الحاجة لم تنتفِ بعد لإرساء السلام بالقوّة، ما يقتضي استكمال المهمّة التي بدأت في يونيو/ حزيران الماضي، وحقّقت نتائج مهمّة لكنّها غير كافية، وهو طرح لقي أذناً صاغيةً لدى ترامب، الذي أخذ ينتابه الغضب شيئاً فشيئاً، وأكثر فأكثر، من إيران ومشروعها النووي، حتى اندلع "الغضب الملحمي" في صبيحة 28 فبراير/ شباط الماضي، بالتشارك مع الحليف الإسرائيلي الموثوق، الذي يعرف كيف يفوز في الحروب، على حد وصف ترامب. فتحت حملة نتنياهو - ترامب على "نووي" إيران الأعين على مشروع إسرائيل النووي ومن مكر التاريخ وتحوّلات السياسة أنّ حملة نتنياهو - ترامب على المشروع النووي الإيراني قد فتحت الأعين، في واشنطن بعد طول إغماض، على مشروع نووي آخر ومسكوت عنه في الشرق الأوسط، هو الملفّ النووي الإسرائيلي. لا يتطرّق مسؤولون أميركيون حاليون أو سابقون إلى هذا الملفّ، تساوقاً مع استراتيجية الغموض المتعمّد الإسرائيلية، والتي يقابلها تعتيم متعمّد من طرف واشنطن، على هذا الواقع القائم العائد إلى أواخر خمسينيّات القرن الماضي. وواظبت تل أبيب على رفض التعامل مع وكالة الطاقة الذرية، كما رفضت الانضمام إلى معاهدة حظر الانتشار النووي، أسوةً بكوريا الشمالية والهند وباكستان وجنوب السودان، فقد دعا، قبل أيّام، أكثر من 20 نائباً ديمقراطياً في مجلس النواب الأميركي وزارة الخارجية إلى إنهاء الصمت الرسمي بشأن برنامج الأسلحة النووية الإسرائيلي، فيما تتزايد مخاطر التصعيد العسكري في ظروف الحرب مع إيران. وطالب النواب وزير الخارجية بتقديم معلومات مفصّلة عمّا تمتلكه الولايات المتحدة من بيانات حول البرنامج النووي الإسرائيلي، بما يشمل قدرات المواد الانشطارية، والعقيدة النووية، وأيّ مؤشّرات إلى نيّة استخدام أو نشر أسلحة نووية خلال الحرب أخيراً مع إيران أو في نزاعات أخرى، وفقاً لمنصّة كومن دريمز. هناك ما هو أكثر من مجرّد مشروع نووي في الشرق الأوسط، إذ يتعلّق الأمر بمنشآت نووية، وبرؤوس نووية قد تبلغ 300، بحسب تقديرات متطابقة، بينها تقديرات معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام. وتأتي هذه المطالبة في أجواء تزداد فيها الانتقادات لإسرائيل حتى داخل الكونغرس، إذ طالب أكثر من 40 نائباً بوقف تصدير الأسلحة إلى إسرائيل، وهي دولة توسّعية تمتهن الحروب، ولم تتوانَ عن شنّ حرب إبادة، وهي فوق ذلك دولة نووية، وقد سبقت إيران بنحو نصف قرن على الأقلّ في امتلاك أسلحة دمار شامل. المطلوب، باختصار، من نادي الخمسة الكبار، العمل على نزع السلاح النووي حيثما وجد في الشرق الأوسط، باتخاذ ما يلزم من وسائل لذلك، وليس بالضرورة بشنّ حرب.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية