عربي
تكاد تحتكر الخطاب السياسي في سورية اليوم فرقتان يجمع بينهما التطرّف ويفرّقهما العداء. ترى الأولى في أيّ انتقاد لخيارات الحكومة تنكّراً للثورة وتهديداً للدولة، بينما تعتقد الأخرى أنّ أيّ تهاون في التنديد بسياساتها يعني إعطاء النظام مهلةً إضافيةً ليرسخ أركان دولته "الإسلاموية"، ويقطع الطريق على أيّ تحوّلات ديمقراطية. تفترض الفرقة الأولى أنّ الحلول للمشكلات التي تواجهها البلاد جاهزة في عقل القيادة، لا يستدعي تحقيقها سوى ترك الأخيرة تعمل من دون تشويش. وتفترض الثانية أنّ الكارثة واقعة لا محالة إن لم نقنع المجتمع الدولي، بالوسائل كلّها، بضرورة التدخّل السريع لفرض نظام تعدّدي حقيقي، حتى لو كان الثمن انتداباً دولياً. مع طرح كهذا تنتفي السياسة، ويتوقّف البحث، وتستمرّ الحرب بوسائل أخرى، ويسود خطاب التحريض المتبادل.
لكن الواقع أغنى بالاحتمالات والخيارات. فالأغلبية الاجتماعية التي هلّلت للنظام الجديد لم تتردّد، أمام تراكم الأخطاء وتباطؤ الإنعاش الاقتصادي المُنتظر، وتزايد ارتهان السلطة لأصحاب المال والأعمال، وخطر التضحية بقطاعات حيوية مثل الصحّة والتعليم والكهرباء لحساب "المستثمرين"، في النزول إلى الشارع. لم تفعل هذا للاعتراض على شرعية النظام ولا لتأكيدها، وإنّما للدفاع عن مصالحها ولقمة عيشها. ولقد أدركت أنّ معركة السياسة تقع في فضاء أوسع بكثير، أي في التعامل مع الواقع كما هو والعمل على تغييره، لا بإنكاره ولا بتمجيده. وفي هذا الفضاء، لا توجد حقائق جاهزة ولا وقائع نهائية وناجزة، وإنّما جميعها ثمرة أعمالنا ومن صناعتنا. وهذا هو عمل السياسة وجوهرها. الحرب وحدها تقلب الواقع من النقيض إلى النقيض، أمّا في السياسة، فالتغيير يُصنع في الصراع أو "التدافع"، كما ورد في القرآن الكريم بين الأطراف: حاكمين ومحكومين، مستبدِّين وتحرّريّين، رجال أعمال وعمّالاً، تجّاراً ومستهلكين، فقراء وأغنياء... إلخ. وفي هذا الجدل، "التدافع"، تتجسّد السياسة.
لكنّ السياسة، بعكس الحرب أيضاً، لا تتوقّف على إرادة طرف، وإنّما على فاعلية الطرفَين. لا توجد سياسة عندما تغلق السلطة أبواب العمل السياسي في وجه الآخرين، ولا عندما تتبنّى المعارضة منطق "كسر العظم". أوّل ما تحتاجه السياسة الاعتراف المتساوي بشرعية القضايا التي يُتنازع عليها، والتوافق على قواعد التنافس، ورصيد كافٍ من الثقة المتبادلة في الشريك/ الخصم ونيّاته، ومن الشفافية في المطالب والتوجّهات. كما أنّه لا توجد في السياسة نتيجة محسومة سلفاً، ولا ضمانة أكيدة لتحقيق الأهداف المنشودة، ولا نتائج أو مكاسب تتناسب مع التضحيات المُقدَّمة. يمكن تحقيق الأهداف أو بعضها، كما يمكن أن ينتهي الأمر بتحييد الأطراف بعضها بعضاً، أو بقطيعة بين الحكم والمعارضة، أو بالاستعصاء السياسي والعودة إلى الحرب بأشكالها الساخنة أو الباردة. هذه كلّها احتمالات ممكنة وقائمة في أيّ صراع سياسي. لكن لا شكّ أنّ السياسة، التي بقيت مغيّبةً عقوداً طويلة لصالح الحرب بين الشعب والنظام في سورية، عادت إلى الشارع. وهي تُصنع منذ اليوم في الساحات، وفي وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، وحتى داخل أروقة السلطة بين اتجاهاتها المختلفة، وليس في المعتقلات وغرف الأجهزة الأمنية المغلقة أو بالتدخّلات الدولية. لكنّ هذه العودة لا تزال شديدة الهشاشة، يحتاج ترسيخها إلى جهد جميع الأطراف، لتخفيض التوتّرات ونزع فتيل العنف الذي تسعى لإشعاله جهات داخلية وخارجية يخيفها السلام والاستقرار، ويضرّان بها. وهذا ما يستدعي العودة إلى الحوار الجدّي والمخلص الذي يتيح لجميع الأطراف التعبير عن مخاوفهم وشكوكهم، وطرح وجهات نظرهم واختلافاتهم، على الأقلّ حتى يصبح ما فوق الطاولة أكبر ممّا هو تحتها. بالتأكيد لا توجد سياسة تتحقّق فيها الشفافية الكلّية، وإلا لما كان هناك صراع، لكن لا يمكن، في المقابل، قيام أيّ ممارسة سياسية جدّية من دون حدّ أدنى من الشفافية والصدق.
ينبغي نشر ثقافة الديمقراطية وقيمها، وتمثّل مبدأ إدارة التعدّد والاختلاف وتطبيقه في نطاق المجتمع
الخطوة الأولى في طريق بناء حقل للممارسة السياسية الانتقال من منطق تغذية المخاوف والظنون والممانعة والاتهامات المتبادلة والمحاسبة على النيّات، وتصنيع القضايا الزائفة، إلى منطق الجدل العقلي الذي يبدّد الشكوك ويساعد في إعادة صياغة القضايا العالقة بوضوح وشفافية. لكنّ الشرط الأول لبناء حقل ممارسة سياسية حيّة ومنتجة هو وجود فاعلين سياسيين جمعيين قادرين على بلورة قضايا جمهورهم والدفاع عنها، يحظون بثقته ويملكون الأهلية والقدرة على قيادة كفاحه، بما تشمله القيادة من رؤية سياسية وقدرة عملية على توحيد الجهود وتنظيم الأفراد والجماعات ووضع الخطط وبرامج العمل الضرورية، وما تحظى به من شرعية تخوّلها الحديث باسمه وتمثيله. من هنا تأخذ التشكيلات الحزبية والنقابات ومنظمات المجتمع المدني المختلفة قيمتها في بناء أي مجال سياسي ناجع وفعّال. هذا ما تزال الساحة السورية تفتقر إليه بسبب ما حصل خلال العقود الماضية من تحطيم وإجهاض مباشر ومقصود لهذه الهيئات والمنظّمات، وما تخشاه السلطة الجديدة من أن تحول عودتها إلى الوجود دون تثبيت أركانها وقدرتها على تطبيق البرنامج الذي تعتقد أنّه الأصلح لإخراج البلاد من حالة الخراب والصراع. والواقع أنّ هذا الفراغ السياسي هو ما يزيد من هشاشة الوضع السوري بأكمله. فعلى مستوى "الشارع" لا نكاد نجد قوةً أو مجموعةً منظّمة يمكنها الادّعاء بقيادة الجمهور وتمثيل التطلّعات والمطالب الشعبية المتنوّعة. والاحتجاجات العديدة التي شهدناها في الأشهر الماضية كانت، إلى حدّ كبير، عفوية، من دون مرجعية محدّدة، وبلا تنظيم أو قيادة معترف بها تنسّق النشاطات، وتوحّد المطالب والتطلّعات المختلفة والمتنوّعة للشارع، وتعيد ترتيب أولوياتها، وتصوغ أجندة واضحة لتحقيقها.
مثل هذه التحركات العفوية، حتى لو دفع إليها بعض الأفراد المعروفين أو شجّعت عليها بعض الأحداث الكبيرة، تبقى ظرفيةً، لا ضمانة لاستمرارها، ولا تولّد تراكماً في الخبرة النظرية والعملية، ولا تساعد في تنمية تجربة سياسية وإنتاج قيادات تتمتّع بالحدّ الأدنى من الشرعية والسلطة المعنوية. ولا يختلف الأمر كثيراً بالنسبة إلى معسكر السلطة. فقد نجح التحالف القائم في توحيد الفصائل المتناحرة حول نواة قيادية واحدة، سياسية وعقائدية، من دون أن يعني ذلك نهاية التفاعلات والتدافع داخل صفوفها. فهي تعيش أيضاً صراعاً بين نمطين ومفهومين للقيادة والسلطة: الأول تقليدي يجعل من القائد، الشيخ الأوّل بين شيوخ أسياد، لديهم الحقوق ذاتها ويعملون بالتوازي، والثاني حديث تشكّل الرئاسة فيه وظيفة في مؤسّسة تتوزّع فيها السلطات والصلاحيات والمسؤوليات حسب مراتب وقواعد قانونية واضحة وثابتة، تمنع التنافس والاختلاط في الصلاحيات والمواقع. وهذا التناقض هو ما يفسّر (ربّما) الغموض والميل إلى السرّية، والخوف من الانفتاح على الأطراف الأخرى الخارجية، لما يثيره من اضطراب داخل نمط السلطة والزعامة المذكور، بما في ذلك الاعتراف الواضح بالحقّ في المعارضة وبوجود المعارضة نفسها.
في الحالتَين، المعارضة والسلطة، نحن أمام حالة من "الغليان" في فضاء السلطة والمعارضة تحول دون تأسيس حقل ممارسة سياسية مستقر، ودون توليد قوى سياسية قادرة على وضع رؤية لمشروع اجتماعي واضح وممكن التحقيق، مع برنامج وخطّة عمل وجدول زمني لتنفيذها. لا أحد من خارج صفوفها يمكن أن يؤثّر مباشرة في تعديل توازنات السلطة وتحوّلاتها. لكن احتمال التأثير لدفعها في الاتجاه الذي يتّفق مع تطلّعات عموم الشعب يتوقّف على قدرة الشارع على الخروج من حالة الغليان، وتشكيل مركز جذب واستقطاب للإلكترونات المتحرّكة، وتحويلها إلى فاعل في المواجهة وإلى جانب السلطة/ الدولة، تتقارب فيه الحساسيات المختلفة، وتجتمع لتشكّل تيّاراً أو تكتلاً وازناً: قطباً شعبياً، منصّةً أو منبراً أو تحالفاً ديمقراطياً، يتعايش فيه الليبرالي والاشتراكي، اليساري والإسلامي، في إطار برنامج من بند واحد، هو الدفاع عن الحرّيات الأساسية، وتوسيع دائرة المشاركة الشعبية من خلال تعزيز استقلال النقابات وتشكيل الأحزاب السياسية وحرية الرأي والإعلام التعدّدي.
لا توجد سياسة تتحقّق فيها الشفافية الكلّية، وإلا لما كان هناك صراع
وفي السياق نفسه، ينبغي نشر ثقافة الديمقراطية وقيمها، وتمثّل مبدأ إدارة التعدّد والاختلاف وتطبيقه في نطاق المجتمع، قبل أن يفرض نفسه على السلطة، ويتحوّل إلى قاعدة لإدارة الدولة.
هذا يعني ألّا تنتظر القوى المنادية بالديمقراطية مبادرة السلطة لتمارس أفكارها، وأن تبدأ منذ الآن في تقديم المثال للسلطة والجمهور معاً، وتنشئ هي ذاتها القطب أو المنبر الديمقراطي وتحوّله إلى إطار للحوار العام الذي لم يُتح للشعب السوري تحقيقه حتى الآن.
هكذا يقدّم المعارضون الذين لا تجمعهم بالفعل غير الرغبة في التعدّدية والمشاركة في السلطة الدليل على أنّ الديمقراطية ممكنة، لا بوصفها عقيدةً مغلقةً وخياراً خاصاً ببعض النُّخب الاجتماعية أو الثقافية، وإنّما إطاراً سياسياً وقانونياً لإدارة الاختلاف، ونجاعة هذا الحوار في التوصّل إلى المواقف والحلول الواقعية المطلوبة والمقبولة من جميع الأطراف وإنضاجها. يمكن لهذه التجربة أن تقدّم دليلاً للمشكّكين بصلاح هذا الخيار، وهم كثر في الحكم والمعارضة، على أنّ الفرضية صحيحة، وأنّ الحوار قادر على تذليل الانقسامات والنزاعات وإيجاد الحلول والتسويات الناجعة، وأنّ النزاع والعنف والاقتتال ليست الطرق الأسهل إلى إرضاء المطالب والتطلّعات المتضاربة، والمشروعة.
هكذا لا تبقى الديمقراطية فكرة مجرّدة، أو نظاماً جاهزاً وكاملاً ينتظر من السلطة الكريمة أن تلتقطه وتطبّقه، إنّما تتشكّل فكرياً وعملياً في صراع الشعب نفسه لتجاوز انقساماته وتناقضاته، كما في صراعه مع السلطة دفاعاً عن حقوقه وحرياته. وفي هذا الصراع المزدوج يتعلّم الجميع أنّ الحرّية مسؤولية وليست منحة أو منفعة ذاتية فحسب، وأنّها، قبل أن تكون خياراً سياسياً يشمل انبثاق السلطة من صندوق الاقتراع وتداول السلطة وفصل السلطات وحكم القانون، هي ثقافة وقيم ومبادئ يتصدّرها الإيمان بأهلية كلّ الناس، وحقّهم في حياة كريمة، ورفض الإقصاء والتمييز والتهميش المعنوي والمادي معاً. وكما أنّ إشراك الشعب والإقرار بدوره وسيادته من أسس شرعية السلطة، فإنّ تربيته وتنظيمه وتأهيله ليكون فاعلاً وراعياً لمصالحه هي شروط لشرعية المعارضة، وبطاقات تأهيلها.
الإقرار بدور الشعب وسيادته شرط أساسي لشرعية السلطة، وتنظيمه وتأهيله ليكون فاعلاً هي شروط لشرعية المعارضة
الخلاصة، نحن أمام خيارين: الاستمرار في المناكفة وحرب المواقع والحلم بمجيء التغيير الديمقراطي من فوق، أي من قبل السلطة أو المجتمع الدولي، وأنا أسمّي ذلك بـ"السياسة الانقلابية"، أو العمل على إحياء قوى المجتمع وإعادة تنظيمها من أجل فرض التغيير وإصلاح خطط السلطة وسياساتها. الأوّل مغامرة احتمالها الأكبر تفكّك البلاد والدخول في الفوضى. والثاني تجميع الجهود لشقّ الطريق العريض الذي يسمح لأوسع قاعدة اجتماعية بالتعاون والتضامن، وببناء الأطر والقوى الاجتماعية التي تؤسّس لتوازن لا يزال مفقوداً تماماً بين الدولة/ السلطة والمجتمع/ الشعب. هذا ما أشرت إليه في كتاب "بيان من أجل الديمقراطية" (المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2006)، الذي سوف نحتفل أواخر شهر مايو/ أيار الحالي بمرور 50 عاماً على صدور طبعته الأولى.
ليس من المؤكّد أن تنجح استراتيجية تعبئة المجتمع وتوحيده حول رؤية ديمقراطية أو نصف ديمقراطية، لكنّها لن تكون أبداً إضاعةً للوقت، لأنّها ستفيد في إخراج المجتمع من رميمه وعطالته السياسية، وزجّه في الصراع من أجل حقوقه وكرامته، وإعادة بنائه لذاته قوةً مدنية اجتماعية حيّة وفاعلة، وتمليكه مفتاح الدفاع عن حقوقه، والمشاركة في تقرير مصيره.
في المقابل، يمكن للرهان على الفوضى الداخلية أو الضغوط والتدخّلات الأجنبية أن ينجح، ولو كان حظّها من هذا النجاح ضئيلاً جدّاً. لكن فشلها، وهو الاحتمال الأعظم، سوف يؤدّي بالتأكيد إلى انفجار البلاد وتفكّكها، وانتشار المليشيات الطائفية والأقوامية، وتفكيك ما تبقّى من الدولة، وإطلاق شرارة حرب متعدّدة المحاور والجبهات، وفتح الباب أمام تدخّل كثير من الدول الأجنبية، المجاورة والبعيدة، وإنهاء سورية التي نحبّ لزمن طويل.
هذا التحذير موجّه للحكومة، بمقدار ما هو موجّه لمعارضيها.

أخبار ذات صلة.
الهلال بطلاً لـ«كأس الملك»
الشرق الأوسط
منذ 6 دقائق
حراك دبلوماسي يلجم «احتكاك هرمز»
الشرق الأوسط
منذ 12 دقيقة
واشنطن تسعى لتثبيت وقف النار قبل الخميس
الشرق الأوسط
منذ 24 دقيقة
راقصاتٌ وراقصون
العربي الجديد
منذ 37 دقيقة