عربي
تنشط المبادرات الفردية والأهلية في ليبيا، سعياً للحفاظ على المحميات الطبيعية والحياة البرية المهدّدة، خصوصاً أن البلاد فقدت جزءاً من تنوّعها الحيوي، وفق تقارير محلية ودولية، وباتت بعض حيواناتها مصنّفة ضمن القائمة الحمراء، وسط غياب الاهتمام الرسمي.
وسط مخاطر اتّساع رقعة التصحر وتراجع الغطاء النباتي، تتعاطى الحكومات المتعاقبة في ليبيا مع المحميات الطبيعية في البلاد بتجاهل شبه تام، ما دفع النشطاء والمتطوّعين إلى إطلاق جمعيات أهلية تعتني بالحياة البرية، تمكنت خلال الأشهر الماضية من تنفيذ مبادراتٍ عديدة بإمكاناتٍ محدودة، لتسدّ جزءاً من الفراغ الذي تركته المؤسسات الرسمية، خصوصاً في المناطق الصحراوية والواحات التي باتت عرضةً للصيد الجائر وتدهور الموائل الطبيعية.
وتعاني المحميات الطبيعية في ليبيا، البالغ عددها 16 محمية موزّعة بين مختلف المناطق، من ضعف الحراسة وغياب البنية التشغيلية وانعدام برامج التطوير والعناية. وأخيراً، أطلقت جمعية "سوكنة للأحياء البرية" برنامج إعادة توطين طيور الطاووس وحيوان صيد الليل (النيص) في محمية منطقة سد وادي الوشكة قرب سوكنة وسط البلاد. ووفقاً لإعلان الجمعية، فإنّ المبادرة نفّذها متطوّعون محليون بإشراف ميداني من أجل "إعادة إحياء الموائل الطبيعية المتدهورة وتعزيز التنوع الحيوي" في منطقة المحمية التي تعاني ظروفاً بيئية متدهورة نتيجة الرعي الجائر وتراجع الغطاء النباتي.
ولفت أحد الفاعلين في المبادرة إلى أن حيوان "صيد الليل" يؤدي دوراً بيئياً مهماً في الحد من انتشار الحشرات والآفات الزراعية، بينما يساهم الطاووس في نشر البذور وإثراء النظام البيئي، فضلاً عن إمكانية استثماره مستقبلاً في السياحة البيئية. تأتي هذه المبادرة في سياق إقبالٍ لافت من قبل متطوّعين بمجال إنقاذ الحياة البرية من دون أيّ دعم حكومي. وقد أطلق عدد من المتطوّعين والناشطين البيئيّين في مارس/آذار الماضي، حملة لزراعة نحو 26 ألف شتلة في 30 موقعاً، من بينها محمية غوط الرمان شرقي طرابلس. وقد نفّذ عدد من المتطوّعين في محمية سد وادي الوشكة مبادرة تضمّنت إطلاق طيور حمام وإوز وثلاثة قنافذ داخل بيئتها الطبيعية.
لم تقتصر الجهود التطوعية على إعادة توطين أصناف من الحيوانات في المحميات الليبية، إنّما شملت حماية أصناف الحيوانات المهدّدة بالانقراض. وقد دعت الجمعية الليبية لحماية الحياة البرية، أخيراً، إلى حملة استنكار ورفض واسعة لما يتعرّض له حيوان الضبع المخطط في منطقة أجدابيا شرقي البلاد، من عمليات صيد جائر وتضييق على وجوده الطبيعي، وذلك على خلفية أعمال صيد جائرة ارتكبها هواة صيد. كما أعلنت الهيئة الليبية للتراث والحياة البرية في مارس/آذار الماضي، إطلاق جولة ميدانية داخل محمية الجبل الغربي (جبل نفوسة) في شمال غرب البلاد، لمتابعة أوضاع الحماية البيئية والحدّ من الصيد الجائر، محذّرةً من تراجعٍ واضح في أعدادٍ من الأنواع البرية، ولا سيّما الطيور المقيمة والزواحف وبعض الثدييات الصغيرة التي اختفت من مواقع كانت مأهولة بها قبل سنوات قليلة.
وكشفت تقارير بيئية محلية ودولية أنّ ليبيا فقدت بالفعل جزءاً من تنوّعها الحيوي، إذ اختفت من بيئاتها الطبيعية أنواع كانت تعيش في مجالها البرّي، حتى باتت العديد من حيواناتها مصنّفة ضمن القائمة الحمراء، مثل غزال دوركاس الصحراوي، وغزال المهر، والمها أبو حراب، وطائر الحباري، إضافة إلى حيوان الفنك والودان، وبعض الجوارح النادرة مثل الشاهين الليبي وغيرها. وتوضح تلك التقارير أنّ الأسباب ترتبط بظاهرة الصيد الجائر، خصوصاً في ظل تراجع سلطة الرقابة القانونية.
وفي حديثه لـ"العربي الجديد"، ينبّه الأستاذ في قسم علم الحيوان بجامعة طرابلس عبد الباسط المثناني، المشارك في الحملات التطوعية، إلى أنّ "خطر انهيار المنظومة الإيكولوجية للمحميات الطبيعية في البلاد بات تحدياً تصعب مواجهته من دون الجهود الرسمية"، مؤكداً أن الجهود التطوعية تساهم فقط في تأجيل الانهيار الكلّي لهذه المنظومة. ويحذّر من أن تداعيات انهيار منظومة الحياة البرية في ليبيا ستتعدّى البلاد إلى دول الجوار، لارتباطها بالمحيط الإقليمي. ويقول: "تقع ليبيا ضمن مسار هجرة عالمي للطيور بين أوروبا وأفريقيا، ما يجعل أي تدهور في البيئات الساحلية ينعكس على سلاسل بيئية عابرة للحدود. لذلك، تحاول المبادرات التطوعية تعويض غياب برامج الرصد البيئي التي يُفترض أن تنفّذها الدولة الليبية، لكن يبدو أن حجم التحدي أكبر منها".
ومن بين التحديات التي تواجه الناشطين والمتطوّعين، يذكر المثناني أهمية "مراقبة الأنواع المهدّدة، وتوثيق تغيّر أعدادها سنوياً"، ويضيف: "لا نملك حتى إحصائيات دقيقة لما هو موجود، فضلاً عن المفقود، وكلّ ما ننشره أو تنشره التقارير الدولية قائم على التقدير أكثر منه على الدقة والتوثيق". ويلفت إلى أن تقارير برنامج الأمم المتحدة للبيئة تُقدّر أن نحو مليون نوع نباتي وحيواني حول العالم بات مهدداً بالانقراض خلال العقود المقبلة. ويرى أن "ليبيا تقع قطعاً ضمن هذه التهديدات إذا استمرت الضغوط الحالية على الموائل الطبيعية".
ويشير المثناني إلى أن الحديث سابقاً كان يتمحور حول ضرورة تعزيز قوّة القانون، وتحديث التشريعات المتصلة بالعقوبات الخاصة بالصيد الجائر وتحديد أوقات الصيد، باعتبارها إحدى وسائل الردع. ويتابع: "إلا أن الصيد الجائر صار مرتبطاً بالفوضى الأمنية، إذ تستخدم المجموعات المسلّحة المركبات والأسلحة الحديثة في الصيد، وبشكل عشوائي من دون أيّ رادع". ويؤكد المثناني أن الجهود التطوعية التي تطورت بين الأفراد إلى حد تنظيمها على شكل جمعيات وروابط، تدلّ على وعي متزايد في أوساط الليبيين بشأن أهمية الغابات والمحميات الطبيعية، مشدّداً على أن استمرارها يشكّل الحل الوحيد اليوم لإنتاج موقف معارض للتجاوزات التي تشارك فيها السلطات الليبية، سواء لناحية الإهمال، أو عدم ضبط الصيد الجائر.

أخبار ذات صلة.
غزة | إصابات إثر قصف منزل في مخيم الشاطئ
العربي الجديد
منذ 13 دقيقة