عربي
يمثّل الهلال الأحمر القطري ركيزة أساسية في صمود النازحين وتعزيز الاستجابة الإنسانية في قطاع غزة، وسط استمرار إغلاق جيش الاحتلال المعابر الإنسانية والنقص الحادّ في الأدوية والمستلزمات الطبية ومواد البناء، وتفاقم الأزمة الغذائية وتدهور الخدمات الحيوية والقطاع الصحي الذي يمرّ بمرحلة انهيار شبه كامل.
تواصل جمعية الهلال الأحمر القطري تنفيذ برامجها الإغاثية والتنموية في قطاع غزة، مستهدفةً الفئات الأكثر هشاشة، عبر تدخلات ميدانية مباشرة تسعى إلى التخفيف من معاناة السكان، وتعزيز صمودهم في ظل واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية التي يشهدها القطاع بفعل الظروف المتفاقمة بعد حرب الإبادة الجماعية التي شنّها جيش الاحتلال الإسرائيلي في أكتوبر/تشرين الأول 2023 وامتدّت لعامَين.
وتعمل جمعية الهلال الأحمر القطري على توسيع نطاق الاستجابة في قطاعات حيوية تشمل الصحة، والمياه، والأمن الغذائي، والإيواء، وسبل العيش، والتعليم، في وقتٍ يشهد القطاع انهياراً حادّاً في الخدمات الأساسية، خصوصاً في القطاع الصحي والمياه والغذاء والإيواء، إلى جانب تحديات متفاقمة مرتبطة بإغلاق المعابر ونقص الوقود، ما يفرض تحديات مركّبة على العمل الإنساني، ويزيد الحاجة إلى استجابات أكثر فاعلية واستدامة.
دعم التعافي والفئات الأكثر هشاشة
يقول مدير مكتب الهلال الأحمر القطري في قطاع غزة، أكرم نصار، إنّ برامج الجمعية في قطاع غزة ترتكز على منهجيةٍ تعتمد التنفيذ المباشر من خلال الطواقم الميدانية، حيث يتولى المكتب إدارة المشاريع وتنفيذها والإشراف على كلّ مراحلها، بدءاً من مرحلة التخطيط وحتى التنفيذ وإغلاق المشاريع، بما يضمن أعلى معايير الجودة والكفاءة والالتزام بالمعايير الإنسانية والرقابية، مع تركيز خاص على الوصول إلى الفئات الأكثر هشاشة.
ويوضح نصار في حديثه لـ"العربي الجديد" أن هذه البرامج تعتمد على تقييمات ميدانية دقيقة ومنهجية مرنة تُتيح توجيه التدخلات وفقاً للاحتياجات الفعلية والأولويات الإنسانية المتغيّرة، بما يضمن استجابة فعالة في ظل الظروف المعقدة التي يشهدها القطاع، مشيراً إلى أن تدخلات الهلال الأحمر القطري تشمل قطاعات حيوية عدّة، أبرزها القطاع الصحي من خلال دعم المستشفيات بالأدوية والمستهلكات الطبية، وإجراء العمليات الجراحية والمتابعات الطبية وتشغيل المستشفيات الميدانية، إلى جانب تأهيل وصيانة المرافق الصحية.
ويشير نصار إلى أن الهلال الأحمر القطري يدعم برنامجاً مشتركاً ينفّذه بالتعاون مع وزارة الصحة، وهو برنامج بدأ منذ العام 2010 وما زال مستمراً حتى الآن، ويقوم على استقدام الخبرات الطبية، ويشمل التعاقد مع مجموعة من الاستشاريين لإجراء عمليات جراحية تخصصية ونوعية في مستشفيات وزارة الصحة، بالإضافة إلى تدريب الكوادر الطبية العاملة في هذه المستشفيات. ويبيّن أن هذا البرنامج ساهم في إدخال خدمات جراحية لأول مرة إلى قطاع غزة، مثل جراحة القلب المفتوح وجراحة الأعصاب والأشعة التداخلية وغيرها، متحدثاً عن تنفيذ برنامج تدريب تخصصي للأطباء حديثي التخرّج، حيث تُبتعث مجموعة من هؤلاء الأطباء سنوياً إلى دولة قطر للتخصص في مجالات طبية مختلفة لدى مؤسسة حمد الطبية. وقد استفاد من هذا البرنامج حتى الآن أكثر من 100 طبيب من قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة.
ويلفت نصار إلى أن برامج المياه والإصحاح البيئي تشمل توفير المياه الصالحة للشرب، وحفر الآبار، وتأهيل مصادر المياه، ودعم محطات التحلية، إضافة إلى برنامج الأمن الغذائي عبر تقديم المساعدات الغذائية الطارئة والوجبات الساخنة، وبرنامج سبل العيش من خلال دعم المشاريع الصغيرة وتأهيل الأسر اقتصادياً، وتدريب الشباب وفتح آفاق العمل، إلى جانب برنامج التعليم عبر المنح الدراسية ودعم المؤسسات التعليمية، وبرنامج الإيواء من خلال توفير الخيام وحزم الإيواء والمواد غير الغذائية للأسر المتضررة. ويشير إلى أن جمعية الهلال الأحمر القطري تعمل بشكل وثيق مع المجموعات القطاعية، لضمان تكامل الجهود وتوجيه التدخلات نحو الفجوات الأكثر احتياجاً، وتفادي الازدواجية في العمل، مؤكداً أن الجمعية تنطلق من مبدأ إنساني يتمثل في التخفيف من معاناة المتضرّرين من الكوارث والأزمات، وتسعى إلى بناء مجتمع أكثر قدرة على الصمود يتمتع أفراده بإمكانية الوصول إلى خدماتٍ أساسية متكاملة وعالية الجودة.
ويلفت نصار إلى أن المكتب في غزة يُترجم هذه الرؤية إلى تدخلات عملية هدفها تعزيز صمود المجتمع المحلي وتحسين الظروف المعيشية، مع التركيز على تمكين الأسر الفقيرة اقتصادياً واجتماعياً، بحيث لا تقتصر التدخلات على الإغاثة الطارئة، بل تمتد نحو دعم التعافي والاستدامة على المدى الطويل. ويشير إلى أنّ القطاع الصحي في غزة يمرّ بمرحلة انهيار شبه كامل، حيث تضرّرت أو خرجت عن الخدمة أكثر من 94% من المنشآت الصحية، مع نقص حادّ في الأدوية والمعدات واستنزاف الكوادر الطبية، ما يضع حياة آلاف المرضى والمصابين في خطر يومي. ويوضح أن الهلال الأحمر القطري يلعب دوراً محورياً في دعم هذا القطاع، إذ تصل مساهمته في بعض مجالات التدخل إلى نحو 65% من حجم الدعم الصحي، كما أنه يقدم أكثر من 50 ألف خدمة صحية مباشرة شهرياً، تشمل العمليات الجراحية، ولا سيّما جراحات العيون، والاستشارات الطبية وخدمات المختبرات والأشعة، وخدمات المبيت والعلاج الطبيعي والوظيفي والدعم النفسي، إلى جانب دعم مرضى الأمراض المزمنة.
آلاف المستفيدين رغم التحديات
ويؤكد مدير البرامج في مكتب الهلال الأحمر القطري في قطاع غزة، عبد الله المدهون، لـ"العربي الجديد" أن الجمعية تُولي أهمية خاصة لبرامج إعادة تأهيل المصابين لضمان استعادة قدرتهم على الاندماج في الحياة اليومية قدر الإمكان. كما تدعم المنظومة الصحية من خلال توفيرالأدوية والمستهلكات الطبية، وترميم غرف العمليات في عدد من المستشفيات والمراكز الصحية، وتساهم في تزويد عدد من المستشفيات بأنظمة طاقة شمسية، إلى جانب إنشاء وتشغيل مستشفيات ميدانية لتعويض النقص الحاد في القدرة الاستيعابية، وذلك بالتنسيق مع وزارة الصحة والمؤسسات الصحية، بالإضافة إلى استقبال وفود طبية متخصّصة لإجراء العمليات المعقدة مثل وفد "شريان الحياة 1" الذي قدم إلى قطاع غزة في عام 2025.
ويبيّن المدهون أن تدخلات الهلال الأحمر القطري تمتد إلى قطاعات أخرى، حيث تُقدَّم خدمات لنحو 80 ألف مستفيد شهرياً في قطاع المياه والإصحاح البيئي عبر توزيع المياه وتأهيل الآبار وتركيب محطات التحلية، كما تُقدَّم مساعدات غذائية من خلال الطرود والوجبات الساخنة لآلاف المستفيدين شهرياً، بحسب طبيعة المشاريع. ويلفت إلى أن برامج الإيواء تغطي قرابة 30 ألف مستفيد بشكل موسمي من خلال توفير الخيام والمواد غير الغذائية، فيما يُدعم قطاع التعليم عبر تقديم منح دراسية يستفيد منها نحو 1500 طالب سنوياً، مؤكداً أن الهلال الأحمر القطري يشكل ركيزة أساسية في صمود النازحين واستمرارية الاستجابة الإنسانية في غزة.
ويتحدث المدهون عن تحديات ميدانية كبيرة يواجهها الهلال الأحمر القطري، أبرزها الانقطاع شبه الكامل للتيار الكهربائي والنقص الحاد في الوقود، ما يؤثر بشكل مباشر على تنفيذ التدخلات، خصوصاً في القطاعات الحيوية، موضحاً أن أكثر من 90% من المرافق الحيوية باتت تعتمد على المولدات الكهربائية في ظل توقف محطة التوليد وتضرر شبكات التوزيع، وهو ما يهدد استمرارية تشغيل المستشفيات وغرف العمليات وأجهزة العناية المركزة. ويوضح أن تأثيرات هذه الأزمة تمتد إلى قطاع المياه والإصحاح البيئي، حيث تتأثر قدرة تشغيل الآبار ومحطات التحلية، وكذلك إلى الأمن الغذائي نتيجة توقف عدد من المخابز بسبب نقص الوقود، ما فاقم من أزمة الغذاء، إضافة إلى تعطل العملية التعليمية عن بُعد.
ويلفت المدهون إلى تحديات تشغيلية أخرى، تشمل صعوبة إدخال المعدات ومواد الصيانة وتعقيدات الوصول إلى المناطق المتضررة، ما يبطئ عمليات الإصلاح، مؤكداً أن الهلال الأحمر القطري يحاول التكيف عبر حلول بديلة مثل أنظمة الطاقة الشمسية ودعم تشغيل المولدات. ويشدّد على أن إغلاق المعابر يشكل أحد أخطر التحديات، إذ يؤدي إلى نقص حادّ في الأدوية والمستلزمات الطبية ومواد البناء، ما يحدّ من القدرة على تنفيذ المشاريع، ويؤدي إلى تفاقم أزمة الأمن الغذائي، ووصول بعض المناطق إلى مراحل حرجة تقترب من المجاعة، خصوصاً بين النازحين والأطفال.
ويشير المدهون إلى أن المرضى والجرحى هم الأكثر تضرراً، حيث يُحرم الآلاف من العلاج خارج القطاع، ولا سيّما مرضى السرطان والقلب والإصابات المعقدة والحالات الحرجة. وفي ظل نقص الإمكانات داخل غزة، نفقد أرواحاً كان يمكن إنقاذها لو توفرت فرص العلاج في الوقت المناسب، مؤكداً أن إغلاق المعابر لا يُعيق العمل الإنساني فقط، بل يفاقم الأزمة ويهدّد حياة السكان يومياً، ما يستدعي تدخلاً عاجلاً لضمان تدفق المساعدات وإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
ويشدّد المدهون على أن الهلال الأحمر القطري ينطلق من مبدأ إنساني يتمثل في التخفيف من معاناة المتضررين من الأزمات، مع السعي إلى تحقيق استجابة أكثر فاعلية وتمكين الفئات الضعيفة، مبيّناً أن الرؤية ترتكز على بناء مجتمع أكثر قدرة على الصمود، يتمتع أفراده بإمكانية الوصول إلى خدمات أساسية متكاملة تحفظ كراماتهم، وأن التدخلات لا تقتصر على الإغاثة الطارئة، بل تمتد إلى دعم التعافي والاستدامة، خصوصاً عبر تمكين الأسر اقتصادياً واجتماعياً. وينبّه المدهون إلى أن القطاع الصحي في غزة يمرّ بمرحلة انهيار شبه كامل، محذّراً من التداعيات الإنسانية الخطيرة لإغلاق المعابر، خصوصاً بعد نفاد الأدوية والمستلزمات الأساسية.

أخبار ذات صلة.
غزة | إصابات إثر قصف منزل في مخيم الشاطئ
العربي الجديد
منذ 15 دقيقة