عربي
هي مشاعر متناقضة أن ينتاب الغضب والقهر السوريين والفلسطينيين وهم يتذكّرون أحبّاءهم في حفرة حي التضامن، بعد مجزرة يُتّهم المجرم أمجد يوسف بالإشراف عليها بتوكيل من فرع الأمن العسكري 227، ومن مليشيا الدفاع الوطني (استشهد فيها نحو 280 شخصاً وأحرقت جثثهم)، وأن يشعر الجميع بالسعادة للقبض عليه. السيئ في الأمر عدم تسليط الضوء على مقتل 58 فلسطينياً في تلك الحفرة، كما إخوتهم من السوريين.
أخيراً، أثار تقرير مصوّر نشرته منصّة "سيريا شفت"، يتضمّن إساءة للفلسطينيين في سورية، موجةً من الجدل والاحتجاج، وبدا أن المنصّة المذكورة كانت تتقصّد أساساً الإساءة إلى منصّة شارع "المعارضة" الساخرة، التي يشرف عليها الإعلامي الفلسطيني السوري قصي عمامة. استخدمت "سيريا شفت" كلمة "انقلع" التي استخدمها السوريون في درعا في 2011 ضدّ بشار الأسد، لتقصد المنصّة بذلك: "أنت فلسطيني، فلماذا تتدخّل في الشأن السوري؟".
أساءت هذه المنصّة، التي اضطرّت إلى حذف الفيديو بضغط من وزارة الإعلام، مع أنّها في بيان الاعتذار كتبت أنّها لا تتّفق مع رأي الوزارة، واعتبرت أن إنتاجها الفيديو يندرج ضمن حرّية التعبير، غير واعية للفرق بين حرّية التعبير وإنتاج الكراهية على أساس العرق وبحقّ شعبٍ بأكمله، فكيف إن كان هؤلاء هم الفلسطينيون السوريون، الموجودون في سورية منذ نكبة فلسطين 1948؟ صار هؤلاء الفلسطينيون جزءاً من الشعب السوري، يعانون ما يعانيه، وينتظمون في فعالياته كافّة، وهناك كثير من المصاهرات وعلاقات النسب بينهم، كما شاركوه ثورته، حتى إن وقف بعضهم (كما فعل سوريون) مع النظام ضدّ السوريين والفلسطينيين.
قضية فلسطين كانت وستظلّ قضية العرب كلّهم، ولا يجوز، بحال، حصرها في الفلسطينيين كما فعلت أنظمة عربية
بسبب انضمام الفلسطينيين إلى الثورة السورية عوقبوا، فحوصرت مخيّماتهم وتجمّعاتهم السكنية، ودمّرت مساحات واسعة منها، بدءاً بمخيّم اليرموك، أكبر المخيّمات الفلسطينية، وفي درعا والرمل الجنوبي وحندرات، وفي السبينة والحسينية وخان الشيح والنيرب. وبسبب هذا كلّه، تتعدّى نسبة الفقر بين الفلسطينيين 91%، وفقاً لشبكة بوابة اللاجئين الفلسطينيين. وبسبب حرب نظام الأسد، هاجر من الفلسطينيين أكثر من مائتي ألف، وبلغ عدد ضحاياهم أكثر من 4048، وفق إحصاءات، وقضى 620 منهم تحت التعذيب. وهناك ملفّ المختفين قسراً، وعددهم 333 فلسطينياً. ومع انهيار النظام أُطلق سراح 42 شخصاً فقط. هذه ليست مجرّد أرقام، هم بشر، مأساتهم جزء من المأساة السورية. ويبدو أنّ هناك حملات شعبوية، مدعومة من أوساط الأنظمة، لتغييب القضية الفلسطينية، ومحاصرة الفلسطينيين في دول اللجوء العربية وطردهم منها. وما ورد في تقرير "سيريا شفت" يأتي في هذا السياق، وهي ظاهرة سابقة لوصول السلطة الجديدة إلى الحكم، ولاحقة لها. وهناك ضغوط أميركية على سلطة دمشق، تتعلّق بإنهاء الوجود العسكري والسياسي للفلسطينيين في سورية، وأتت ضمن الشروط الثمانية لرفع العقوبات الأميركية عن سورية. المقصد أنّ هذه الضغوط تستهدف الوجود الفلسطيني في محيط الدولة الصهيونية، وهي قديمة في سورية ولبنان بخاصّة. وإن كان الوجود المسلّح الفلسطيني في سورية ولبنان لم يعد له مبرّرات، لكن يجب أن يكون للفلسطينيين الحقّ في ممارسة السياسة، وعدم التدخّل في حركاتهم السياسية، وتنظيمها، ضمن قوانين يطالب بها السوريون تنظّم العمل السياسي وتشكيل الأحزاب. وهناك ضرورة لوجود ضمانات قانونية لحماية الحرّيات وحرّية العمل السياسي للفلسطينيين والسوريين.
مساهمة الفلسطينيين في الثورة كانت حماية الثوار، وإغاثتهم، وانخرطوا في الأعمال المسلّحة ضدّ نظام الأسد. هذا ما يجب التركيز عليه، ومن هذه الزاوية، يجب البناء على القرار 260 لعام 1956 (معاملة الفلسطينيين المقيمين في أراضي الجمهورية العربية السورية كالسوريين أصلاً في جميع ما نصّت عليه القوانين والأنظمة المتعلّقة بحقوق التوظيف والعمل والتجارة وخدمة التعليم، وذلك مع احتفاظهم بجنسيتهم الأصلية)، وحذف أيّ "كليشيهات" قانونية تقيّد الفلسطينيين، وإعطاؤهم الحقوق السياسية، وأن يصبحوا مواطنين سوريين، لا الاكتفاء بتحمّل أعباء الواجبات فقط. ألم يمنح السوريون الجنسية وحقّ المواطنة في أوروبا بعد عدّة سنوات من اللجوء؟ يجب أن يحصل اللاجئون الفلسطينيون في سورية على ما حصل عليه اللاجئون السوريون في أوروبا، وهذا لا يغيّر من رغبة الفلسطينيين في التمسّك بأرضهم التاريخية فلسطين، ولا يمسّ حقّهم في العودة إليها. فهل يعقل، بعد سنوات اللجوء الفلسطيني كلّها في سورية، وهي تعود إلى عقود، وبعد أن قدّموا في سورية كما قدّم السوريون، ألّا ينالوا الجنسية السورية أو الحقوق السياسية كما هي للسوريين؟ هذا تفكير قاصر، وتمييز عنصري، واستبدادي بامتياز.
يجب أن يحصل اللاجئون الفلسطينيون في سورية على ما حصل عليه اللاجئون السوريون في أوروبا
هناك انتهاكات متراكمة بخصوص الفلسطينيين، وهناك ضرورة لطيّها نهائياً، أقلّها قضية الجنسية، والحقوق السياسية، وحقّ التملك المُقيّد. إنّ قضية فلسطين كانت وستظلّ قضية العرب كلّهم، ولا يجوز، بحال، حصرها في الفلسطينيين كما فعلت أنظمة عربية، فمنعت الجنسية عنهم بحجة دفعهم إلى التمسّك بأرضهم التاريخية. تلك كانت حجّة سمجة للغاية، ويجب التخلّي عنها. ودولة ما بعد الثورة في سورية يجب أن تتشكّل دولة لكلّ المواطنين؛ وهذا ما لم تتجه إليه سلطة دمشق بعد. وضغط وزارة الإعلام لحذف الفيديو لا يكفي، فيقع عليها الدفاع الجادّ عن حقّ التعبير، والنشر، والإعلام، وتشكيل الأحزاب السياسية، ورفض كلّ توجّه طائفي أو عنصري أو تمييزي. وهذا الكلام لأنّ مدوّنة السلوك لم تمنع صناعة الفيديو التحريضي من الأساس.
وجود رؤية جديدة تجاه الفلسطينيين (أوضحنا بعض أوجهها) مسؤولية السلطة في دمشق، وليس مسؤولية هذه الوزارة أو تلك. إنّ الإعلان عن حقوقٍ متساوية للفلسطينيين مع السوريين أصبح الحجر الأساس في أيّ علاقة سليمة (ومنصفة) مع من يقيم في الأرض السورية، ويتقيّد بدستورها وبقوانينها. إنّ وجود بعض المسؤولين في بعض دوائر الدولة من الفلسطينيين يجب أن يُستكمل بوجود وزراء وأعضاء مجلس شعب كذلك، وسواها من المناصب السيادية. وهنا لا نتكلّم من زاوية المحاصصة، بل من زاوية أن يتمثّل السوريون ومن في حكمهم، وفقاً للكفاءة في إدارة السلطة والدولة.
ما أطرحه في هذا النصّ ليس أمراً يثير العجب، بل حقوق دستورية وقانونية، كما ذكرت، تمنحها أي دولة أوروبية تلتزم حقوق الإنسان والقانون الدولي. إنّ كلّ تأخير بتوضيح هذه القضايا في الإعلام، ومن زاوية ما أطرحه، هو تعزيز للمناخات الشعبوية، وللاستثمار في التفرقة بين من يقطنون في سورية، وهو ما سيُضعف، بالنهاية، السلطة والدولة؛ فالشعب المُقسّم هو وصفة للسلطة الضعيفة، وللتحكّم الخارجي، وللفشل كذلك.

أخبار ذات صلة.
عام على حكومة ميرز... قاطرة أوروبا تتعثر
العربي الجديد
منذ 39 دقيقة
هيغسيث وكل رجال الرئيس
العربي الجديد
منذ ساعة