عربي
لا يفتأ الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، يكرّر زعماً لا تكذّبه الوقائع والمعطيات فحسب، بل لا أساس له أصلاً من الصحّة، وتنسفه الشواهد ومجريات الأحداث. قال غير مرّة إنّ الولايات المتحدة لا تحتاج مضيق هرمز، ولن تحتاجه، لأنّها لا تستورد مصادر طاقتها عبره، وبالتالي، لا يؤثّر إغلاقه فيها، وإنّ على الدول التي تعتمد عليه في صادراتها من الطاقة، من نفط وغاز، أن تتولّى أمره أمام استمرار إيران في إغلاقه على خلفية العدوان الأميركي – الإسرائيلي عليها، وفشل واشنطن في فتحه عنوةً. لا يكتفي ترامب بهذا القدر من الابتزاز، بل يذهب إلى أبعد في مطالبته الأوروبيين، الذين رفضوا التورّط في حربه وحرب بنيامين نتنياهو على إيران، بتأمين نفطهم من مضيق هرمز بأنفسهم، أو شراء نفطهم من الولايات المتحدة، على أساس أنّ بلاده أكبر منتج للنفط عالمياً. فإذا كانت الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط، كما يقول ترامب، فلماذا، إذن، ارتفعت أسعاره عالمياً وأميركياً، منذ 28 فبراير/ شباط الماضي، ما بين 45% و50%؟
لا خلاف في أنّ الولايات المتحدة هي أكبر منتج للنفط في العالم، إذ تنتج حالياً ما بين 13.4 و13.8 مليون برميل يومياً من النفط الخام، مقابل روسيا التي تنتج ما بين 9.6 و10.3 ملايين، والسعودية التي يتراوح إنتاجها ما بين 7.7 و7.8 ملايين. أمّا إذا ما حسبنا إنتاج الولايات المتحدة من النفط والمنتجات البترولية، التي تشمل النفط الخام وسوائل الغاز الطبيعي والوقود الحيوي، فإنّ متوسّط إنتاجها يصل إلى نحو 22 مليون برميل يومياً.
وتصدّر واشنطن، يومياً، ما بين 4.8 و6.4 ملايين برميل من النفط الخام، ويصل الرقم إلى عشرة ملايين إذا احتُسبت المنتجات البترولية. ولأنّ الولايات المتحدة تستهلك أكثر من 21 مليون برميل يومياً من المنتجات البترولية، وفق بيانات 2023 – 2025، ويُستخدم ما يقرب من 40% من هذا الإجمالي، أي نحو تسعة ملايين برميل يومياً، لإنتاج البنزين المستخدَم في المركبات، فإنّ واشنطن تضطر إلى استيراد 6.6 ملايين برميل يومياً من النفط الخام. وتأتي معظم واردات النفط الأميركي من كندا بأكثر من أربعة ملايين برميل يومياً، تليها المكسيك بمتوسّط يتراوح ما بين 465 ألفاً و910 آلاف برميل يومياً، ثمَّ السعودية بـ273 ألف برميل يومياً، والعراق بـ198 ألف برميل يومياً، ودول أخرى في أميركا الجنوبية.
لكي تتمكن المصافي الأميركية من معالجة النفط الخفيف المنتج محلّياً، فإنّها بحاجة إلى إعادة تصميم وتطوير بناها ومنشآتها بشكل شامل
لكن، لماذا تستورد الولايات المتحدة نفطاً خاماً إذا كانت هي أكبر منتج له عالمياً؟ ولماذا ترتفع أسعار الوقود داخلها رغم وفرة الإنتاج؟ هنا يتبدّى موضع التضليل أو الجهل لدى ترامب.
في موضوع الاستيراد، فإنّ أغلب إنتاج الولايات المتحدة هو من النفط الخفيف "الحلو"، في حين أنّ مصافيها، خصوصاً في ساحل خليج المكسيك، مصمّمة لمعالجة النفط الثقيل "المُرّ" عالي الكبريت، الذي يأتي من مورّدين أجانب، وهو ما يُعرف بـ"عدم تطابق المصافي" Refinery Mismatch. ولكي تتمكن المصافي الأميركية من معالجة النفط الخفيف المنتج محلّياً، فإنّها بحاجة إلى إعادة تصميم وتطوير بناها ومنشآتها بشكل شامل، وهو أمر لا ترغب شركات النفط الأميركية في الاستثمار فيه، ذلك أنّه باهظ الكلفة، وهي لا ترى فيه مصدراً للربح، خصوصاً في ظلّ التحوّل العالمي نحو الطاقة البديلة. لذلك يصبح الاستيراد أقلّ تكلفة وأكثر عملية.
أمّا في موضوع ارتفاع الكلفة أميركياً، فإنّه، بالإضافة إلى السبب السابق، فإنّ الولايات المتحدة، شاءت أم أبت، تتأثّر بإغلاق مضيق هرمز مثلها مثل دول كثيرة؛ لأنّ النفط يُتداول ويُسعَّر في أسواق عالمية وفق قاعدة العرض والطلب العالميَّين، وليس على أساس الإنتاج المحلّي فقط. وهكذا، فإنّه في ضوء إغلاق مضيق هرمز، الذي يمرّ منه نحو 20% من إمدادات الطاقة عالمياً، ترتفع أسعارها في العالم كلّه، بما في ذلك أميركا نفسها. هذه إحدى قواعد العولمة الاقتصادية التي أرستها الولايات المتحدة، وتكتوي بنارها كما غيرها من الدول.
أمام هذا الواقع، يعاني الأميركيون مثل أيِّ شعب آخر، إلا أنّ الفارق الأكثر أهمّيةً أنّهم يدفعون ثمن خياراتهم الانتخابية هم أنفسهم، وثمن بلطجة الولايات المتحدة في سياساتها الخارجية، التي تمارس باسمهم. في حين أن كثيرين في العالم مجرّد مستقبِلين، وراجين خيراً تأتي به كلّ دورة انتخابية أميركية... لكنّه خير لا يأتي أبداً، فهذا مضادّ للجينة الأميركية الإمبريالية.

أخبار ذات صلة.
عام على حكومة ميرز... قاطرة أوروبا تتعثر
العربي الجديد
منذ 39 دقيقة
هيغسيث وكل رجال الرئيس
العربي الجديد
منذ ساعة