عربي
حين أقرأ ما يحكى عن فكرة الاعتذار التي يتكرّر طلبها سورياً هذه الأيام، والتي تحيل كتلة كاملة من البشر إلى دوامة لا تنتهي من الإحساس بالذنب، أستعيد مجموعة مفاهيم لنيتشه عن الأخلاق، ردّد السوريون خلال سنوات الثورة الكثير منها، لكن من دون تفكيك لبنية مفهومه عنها، ومن دون انتباه إلى أن المواقف اللاحقة أتت عكس كل ما جرى ترداده منها زمن الثورة؛ فلو افترضنا أن مجموعة بشرية معينة قد قرّرت أو أجبرت على تقديم اعتذار عن جرائم قامت بها مجموعات منها، فهل يوضع الاعتذار تحت تحت بند الأخلاق العامة التي تساعد المجتمع على إعادة تمتين ما يربط فئاته بعضها ببعض؟ وما هي الأخلاق العامة السورية حالياً وكيف يمكن تمييز الخير من الشر فيها؟ والأهم كيف يمكن تأويل الظواهر السورية المجتمعية والسياسية أخلاقياً في ظرف مجتمعي مركب ومعقد إلى حد أن تفكيكه سوف يحتاج إلى عقود طويلة قبل أن نتحدث عن إعادة توازنه من ثم بنائه ليصبح مجتمعاً قوياً ومعافى.
يولد الكائن البشري بضمير لا تشوبه شائبة، وبذاكرة شبه فارغة (اكتشف العلماء أخيراً أن الذاكرة البشرية تكون منذ الولادة محملة بذواكر جينية للأسلاف). هذه الذاكرة تزوّد لاحقاً بمنظومة قيم مكتملة تكتسب عبر الملاحظة والتلقين والتكرار، وعبر رغبة الانتماء إلى مجموعة حماية مجتمعية تمنح توازناً واستقراراً نفسياً تعطيه المجتمعات لأفرادها لكي يكونوا أشخاصاً فاعلين في سلسلة بناء الحضارات البشرية. لكن تأويلات هذه المنظومة القيمية ليست ثابتة ومعايير تأويلاتها ليست صارمة، بمعنى أن مفاهيم مثل الخير والشر ثابتة، لكن تأويلها يختلف بين وقت وآخر تَبَعاً للظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، والأهم: تبعاً لتغيير موازين القوة التي يعاد معها إعادة تعريف الحدث وصياغته وتكراره ضمن المنظومة الثابتة نفسها للخير والشر؛ ليس لأن الحقيقة حولهما قد تغيرت، بل لأن موقع مجموعة الحماية التي تحمل هذه القيمة قد تغير في المجتمع.
ولنعيد الافتراض أن المجموعة المعنية قد اعتذرت عن الجرائم المرتكبة في السنوات السابقة (لا يطرح أصحاب هذا الخطاب أية آلية للاعتذار، فهذه المجموعة ليست دولة وليس لها هيكلية تمثلها كاملة)، فهل هذا الاعتذار سوف يكون فعلاً أخلاقياً خالصاً (خير) أم هو إعادة إنتاج الماضي بفعل تبدل المواقع؟ بمعنى هل فرض الاعتذار سوف يعني أن المجموعة المقصودة قد اكتشفت كلها فجأة الذنب الذي تحمله (الشر) وتراجعت عنه كلها، أم أن هذا إن حدث فنتيجة الضغط السياسي والاجتماعي ذي القوة النافذة الذي يقرر من يجب أن يتحمل عقدة الذنب؟ أين الأخلاق في فرض الشعور بالذنب على مجموعة كاملة بينها عدد لا يحصى من الأبرياء مثلما بينها عدد لا يحصى من المجرمين (ألا ينطبق هذا على كل الفئات السورية؟)، وأين القيمة الأخلاقية (الخير) في تحول ضحية الماضي إلى جلاد الحاضر الذي أصبح يرى الخير والشر من موقعه الجديد في السلطة السياسية والمجتمعية؟ وهذا يعيدنا إلى مقولة لنيتشه انتشرت سنوات الثورة: (من يحارب الوحوش عليه أن يحذر أن يتحوّل هو نفسه إلى وحش) تتقاطع بقوة مع ما حصل ماضياً وحاضراً في سورية، وتكشف كم كان تأويل القيم الأخلاقية (الخير والشر) مرناً وسريع التبدل تبعاً لتبدل ميزان القوة والسلطة السياسية.
من فرط ما حدق السوريون بالهاوية طوال السنوات السابقة تبادلوا الأدوار معها، صارت الهاوية هي التي تحدق بهم اليوم (بتصرف عن نيتشه أيضاً)، وهذا يفتح سؤالاً واسعاً عن آليات تأويل الشر والخير داخل السياق الزمني والمكاني، فالفعل نفسه قد يدان في زمن ويمجد في زمن آخر، وقد يدان لدى مجموعة ويمجد لدى مجموعة أخرى تعيش في المحيط نفسه، هذا السؤال يزعزع الثقة بالحدود المفترضة للخير والشر، ويجعل من حكمنا القيمي يتوه بين دوامة البراءة الكاملة أو الظلم الكامل؛ ويضعنا أيضاً أمام سؤال ملح: هل يحتاج السوريون إلى اعتذارات لن تتوقف عند حد أم إلى مساءلة قانونية وأخلاقية ثابتة لمن قام بأفعال الاجرام؟

أخبار ذات صلة.
عام على حكومة ميرز... قاطرة أوروبا تتعثر
العربي الجديد
منذ 39 دقيقة
هيغسيث وكل رجال الرئيس
العربي الجديد
منذ ساعة