عربي
في أعقاب إعلان الإمارات انسحابها من بعض الأطر النفطية، عاد الجدل حول طبيعة هذه المنظومات ودورها في إدارة سوق الطاقة العالمي. وبين أوابك، أوبك، وأوبك+، تبدو التسميات للوهلة الأولى متشابهة، إلا أن التدقيق يكشف عن ثلاثة مستويات مختلفة من العمل النفطي: تبدأ من التعاون العربي، وتمتد إلى تنظيم السوق العالمية، وصولاً إلى تحالفات جيوسياسية معقدة تعيد رسم موازين القوى في سوق النفط.
أوابك: من أداة ضغط سياسي إلى إطار تقني للتعاون العربي
نشأت أوابك عام 1968، في زمن كان فيه النفط أكثر من مجرد سلعة اقتصادية، بل أداة سياسية تُستخدم في رسم موازين القوى. تأسست المنظمة بوصفها إطاراً عربياً يجمع الدول المصدّرة للنفط بهدف تنسيق مواقفها وتعزيز تعاونها، وقد برز دورها في مرحلة السبعينيات حين استُخدم النفط ورقة ضغط في سياق الصراع العربي–الإسرائيلي. إلا أن هذا الدور لم يستمر على الوتيرة نفسها، إذ تراجع مع مرور الوقت بفعل التحولات الإقليمية وتراجع العمل العربي المشترك.
غير أن هذا الدور لم يستمر بالزخم ذاته. فمع تغير موازين القوى العالمية، وتراجع استخدام النفط سلاحاً سياسياً مباشراً، إضافة إلى الانقسامات العربية وتباين أولويات الدول المنتجة، بدأت أوابك تفقد تدريجياً موقعها فاعلاً مؤثراً. كما أن انتقال مركز الثقل إلى الأسواق العالمية، وصعود أطر دولية أكثر تأثيراً مثل منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك"، أسهما في تقليص هامش دورها.
اليوم، تبدو أوابك أقرب إلى منصة تقنية تُعنى بالمشاريع المشتركة وتبادل الخبرات، من خلال دعم التعاون في مجالات التكرير والنقل والخدمات النفطية، إلى جانب إعداد الدراسات وتوفير البيانات. ورغم استمرارها بوصفها مؤسسة قائمة، فإن حضورها في معادلة التأثير على الإنتاج أو الأسعار العالمية يكاد يكون محدوداً، ما يعكس تحوّلها من أداة سياسية واقتصادية فاعلة إلى إطار تنسيقي ذي طابع تقني، يواكب أكثر مما يقود تحولات سوق الطاقة.
أوبك: من كسر هيمنة الشركات إلى ضبط إيقاع السوق العالمي
في المقابل، تمثل منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك" نموذجاً مختلفاً تماماً في إدارة قطاع الطاقة، إذ نشأت عام 1960 في لحظة مفصلية من تاريخ صناعة النفط، عندما اجتمعت دول منتجة رئيسية في بغداد بهدف استعادة السيطرة على مواردها، بعد عقود من هيمنة الشركات النفطية الكبرى على الإنتاج والتسعير.
لم يكن تأسيس أوبك مجرد خطوة تنظيمية، بل تعبير عن تحوّل عميق في ميزان القوى، إذ انتقلت السيطرة تدريجياً من الشركات متعددة الجنسيات إلى الدول المنتجة نفسها. ومع مرور الوقت، تحولت المنظمة إلى أحد أبرز الفاعلين في الاقتصاد العالمي، مستفيدة من امتلاك أعضائها جزءاً كبيراً من الاحتياطات النفطية العالمية، ما منحها ثقلاً سياسياً واقتصادياً يتجاوز حدود قطاع الطاقة.
ولا تكتفي أوبك بالتنسيق العام، بل تمارس تأثيراً مباشراً في السوق عبر نظام الحصص الإنتاجية، والذي يتيح لها ضبط مستويات الإنتاج بما يتناسب مع تطورات العرض والطلب. وقد مكّنها ذلك من لعب دور حاسم في إدارة الأزمات النفطية وضبط إيقاع السوق، سواء عبر خفض الإنتاج لرفع الأسعار أو زيادته لكبح الارتفاعات.
إلا أن هذا الدور واجه تحديات متزايدة في العقود الأخيرة، مع صعود منتجين جدد، لا سيما في الولايات المتحدة، وتزايد التباينات داخل المنظمة نفسها. ورغم ذلك، لا تزال أوبك تمثل الإطار المؤسسي الأبرز لتنظيم سوق يتسم بالتقلب، وتحافظ على موقعها لاعباً لا يمكن تجاوزه في معادلة الطاقة العالمية.
أوبك+: تحالف الضرورة في مواجهة تقلبات السوق
مع التحولات العميقة التي شهدها سوق النفط خلال العقد الأخير، لم تعد منظمة الدول المصدرة للنفط قادرة بمفردها على ضبط إيقاع السوق كما في السابق، خصوصاً بعد الانهيار الحاد في الأسعار بين عامي 2014 و2016 نتيجة فائض المعروض وصعود النفط الصخري. في هذا السياق، برز تحالف أوبك+ عام 2016 بوصفه صيغةً جديدةً للتنسيق، جمع بين دول أوبك ومنتجين كبار من خارجها، وفي مقدمتهم روسيا. ولم يكن هذا التحالف مجرد توسع عددي، بل استجابة مباشرة لواقع سوقي جديد، باتت فيه القدرة على التأثير تتطلب تنسيقاً أوسع يتجاوز حدود المنظمة التقليدية.
يعمل تحالف أوبك+ باعتباره إطاراً تنسيقياً مرناً، قائماً على اتفاقات إنتاجية مشتركة تهدف إلى تحقيق التوازن بين العرض والطلب، والحد من التقلبات الحادة في الأسعار. ومن خلال هذا التنسيق، تمكن التحالف من استعادة جزء كبير من السيطرة على السوق، خاصة في فترات الأزمات، كما حدث خلال جائحة كورونا عندما تم الاتفاق على تخفيضات تاريخية في الإنتاج. غير أن هذا الدور لا يخلو من تعقيدات، إذ يعكس التحالف توازنات دقيقة بين مصالح دول ذات أولويات اقتصادية وجيوسياسية متباينة. ورغم غياب الصفة المؤسسية الرسمية، يفرض أوبك+ نفسه اليوم بوصفه أقوى تكتل نفطي في العالم، إذ لا تُفهم ديناميات السوق أو اتجاهات الأسعار من دون أخذ قراراته وتفاهماته بعين الاعتبار.
في هذا السياق، يكتسب انسحاب الإمارات من هذه الأطر دلالات تتجاوز البعد التنظيمي، إذ إن كل إطار منها يؤدي وظيفة مختلفة داخل منظومة الطاقة العالمية، ما يجعل فك الارتباط معه محمّلاً برسائل متعددة المستويات. فالخروج من أوابك يمكن قراءته بوصفه تراجعاً في أولوية العمل العربي المشترك في قطاع النفط، من دون أن يترك أثراً مباشراً على توازنات السوق.
في المقابل، يشكّل الابتعاد عن أوبك خطوة أكثر عمقاً، لأنه يعني عملياً التحرر من نظام الحصص الإنتاجية الذي يقيّد مستويات الإنتاج، وهو ما يمنح الدولة هامشاً أوسع للتحكم بسياساتها النفطية وزيادة قدرتها التنافسية، لكنه في الوقت نفسه يضعها خارج منظومة تنسيق لعبت تاريخياً دوراً في استقرار الأسعار. أما الانسحاب من أوبك+، فيحمل بُعداً جيوسياسياً أكثر وضوحاً، إذ يتصل بإعادة النظر في شبكة التحالفات التي تربط كبار المنتجين، ولا سيما مع دول مؤثرة مثل روسيا، وما يرتبط بذلك من توازنات دقيقة تحكم سوق الطاقة.
بهذا المعنى، لا يمكن فهم الفارق بين أوابك وأوبك وأوبك+ بمعزل عن السياق الأوسع الذي تتحرك فيه هذه الكيانات. فهي لا تمثل مجرد منظمات متوازية، بل تعكس مراحل مختلفة من تطور إدارة النفط. ومن هنا، فإن أي تغيير في العلاقة مع هذه الأطر لا يُقرأ بوصفه إجراء إدارياً أو تقنياً، بل جزء من عملية إعادة تموضع داخل خريطة نفوذ النفط العالمية، إذ يظل النفط، رغم التحولات نحو الطاقة البديلة، أحد أهم أدوات القوة والتأثير في العلاقات الدولية.

أخبار ذات صلة.
بايرن ميونيخ يواجه سان جيرمان بزي جديد
الشرق الأوسط
منذ 10 دقائق