عربي
تعاقب خوارزميات تطبيقات توصيل الطعام الفرنسية العمال، إذ تعمل أداة ضغط غير مرئية تفاقم من هشاشة أحوالهم المزرية، بعدما بلغت حدّ توصيف "الاتجار بالبشر"، لذا يقبلون ما يرفضه من يملك هامشاً حقيقياً للاختيار.
- يسيطر القلق على جوناتان لوتيل شوفالييه، منسّق مؤسسة "بيت عمال التوصيل" في مدينة بوردو جنوبي فرنسا (حقوقية)، من جراء الأوضاع في القطاع، إذ يعيش العمال حالةً مستمرةً من الخوف وانعدام الأمان الوظيفي، بسبب مناخ التشغيل وظروفه، كما يقول لـ"العربي الجديد"، معتمداً على توثيق المؤسسة 24 حالة وفاة نتيجة الحوادث، منذ عام 2019 وحتى اليوم، علاوة على رصد ثلاثين حادثاً بالغ الخطورة تمكّنوا من الوصول إلى بياناتها، بينما في الحقيقة الوضع أسوأ من ذلك.
على أرض الواقع يوجد ما يؤكد إفادة شوفالييه، التي تتقاطع مع ما وثقته شكوى جنائية تقدّمت بها أربع جمعيات داعمة للعاملين في قطاع توصيل الطعام، في الثاني والعشرين من إبريل/ نيسان الماضي، لمكتب المدّعية العامة في باريس، لور بيكو، وضمن أوراقها المؤلّفة من ثمانين صفحة، تتّهم المؤسسات العمالية منصّتَي "أوبر إيتس" و"ديليفيرو" بـ"الاتجار بالبشر".
وتُفصّل الشكوى نظام العمل الذي تعتمد عليه المنصّتان، والقائم على تشغيل عمال التوصيل، بصفتهم "مستقلين" لا موظفين، بما يعفي الشركتين من التزامات قانون العمل. وتقول الجمعيات إن جوهر المشكلة لا يقتصر على تدنّي الدخل، بل يتمثّل في علاقة تبعية يعيشها العامل تحت تهديد دائم بفقدان حسابه ومصدر رزقه.
وضع مزرٍ
الوضع المزري الذي يعانيه عمال توصيل الطعام، كان محور دراسة نُشرت في 30 مارس/آذار الماضي تحت عنوان "صحّةُ وظروفُ معيشةِ وعملِ موصّلي المنصّات الرقمية في فرنسا: تقرير كورس ـ سانتيه"، تحت إشراف "المعهد الوطني للدراسات الديموغرافية" و"معهد أبحاث التنمية" و"أطباء بلا حدود".
استناداً إلى بيانات لألف عاملٍ يشتغلون في باريس وبوردو، توصّلت النتائج إلى أن 98% من العمّال المشمولين بالدراسة مولودون خارج فرنسا، وقد وصلوا إليها حديثاً (بعد 2020)، وأن أكثر من 64% منهم لا يملكون أوراق إقامة، في حين يبلغ متوسّط ساعات عملهم أسبوعياً نحو 63 ساعة، مقابل أقل من 37 ساعة وسطياً لمجمل الفرنسيين. كذلك تصف الدراسة أوضاعَ سكن وتغذية صعبةً يعاني منها أغلب العمّال المستجوَبين، وأوضاعاً صحّية ونفسية أكثر سوءاً، إذ يقول 85% منهم إنهم يعانون من إجهاد مزمن، فيما تصل إلى 45% نسبة مَن يواجِهون تأزّماً أو ضائقة نفسيّة.
انطلاقا مما سبق يقول شوفالييه إن "الدعوى تأتي بعد سنوات من توثيق ظروف عمل المشتغلين في التوصيل، ومن جمع الأدلة اللازمة"، وإنها "تستند إلى سلسلة من التقارير والتحذيرات الرسمية الصادرة عن أعلى المستويات الرسمية الفرنسية، بما فيها مجلس الشيوخ ومجلس الدولة الاقتصادي والاجتماعي والبيئي"، إلى جانب "تقرير المقرّر الخاص للأمم المتحدة المعني بالفقر المدقع الصادر عام 2023"، في إشارة إلى تقرير المقرّر أوليفييه دي شوتر الذي صدر في 13 يوليو/تموز 2023 وحمل عنوان "العمّال الفقراء: نهج قائم على حقوق الإنسان إزاء الأجور".
متاهات العمل
يروي مصطفى، وهو عامل توصيل سوري متعاون مع "أوبر إيتس" فضّل عدم الكشف عن اسمه كاملاً حتى لا يفقد شغله، كيف وجد نفسه من دون أي دعم عقب سقوطه قبل شهرين من دراجته أثناء توصيل أحد الطلبات. ويقول: "بعد خروجي من المستشفى، اضطررت إلى التوقف عن العمل أكثر من أسبوعين. لم يكن لديّ خلالهما مدخول ولا تعويض مالي. بحثت عن مساعدة، وعثرت على صفحة في موقع أوبر تتحدث عن دعم الموصّلين الذين يتعرضون لحوادث خلال عملهم. قادتني إلى موقع شركة تأمين ألمانية تطلب تحديد البلد الذي يقع فيه الحادث. لكن فرنسا لم تكن في القائمة".
في النهاية، بعد محاولة بلا جدوى للتواصل مع الشركة، اضطر مصطفى إلى تغطية كل التكاليف، بما فيها نفقات العلاج وإصلاح دراجته المزودة بنظام كهربائي مكلف.
في السنوات الماضية وثق شوفالييه، العديد من هذه الحالات يجمعها ما يصفه : "بما يشبه المتاهة يقع فيها العمال قبل الوصول إلى الدعم الذي يبحثون عنه، ولا سيما مَن لا يقرأون منهم الفرنسية أو مَن يفهمونها جزئياً فحسب. فالإجراءات رقمية بالكامل، وتستلزم امتلاك حاسوب وطابعة".
يضرب شوفالييه مثالا على حالةً أخرى عمل عليها مع شركة "ديليفيرو" قائلا: "لدينا ملف أوكلناه لمحامٍ يُرافق عامل توصيل منذ سنة ونصف. أُحيلَ الملف أولاً إلى "ديليفيرو فرنسا"، التي أعادت توجيهه إلى وسيط في بلجيكا، والذي أحاله بدوره إلى جهة ثالثة في المملكة المتحدة. وهكذا، منذ سنة ونصف، يتلقّى عامل التوصيل مراسلات بالإنكليزية والفرنسية من ثلاثة أطراف مختلفة، يرمي كلٌّ منها المسؤولية على الآخر".
العبودية الرقمية
كذلك تضع الشكوى الخوارزميات التي تتحكم في تطبيق الشركة نصب الاتهام، إذ تعتبر الجمعيات أن غموض طريقة عمل الخوارزميات يحوّلها إلى أداة ضغط غير مرئية وسبب أساسي لمعاناة العمّال.
يتفق محمد بيتاي، وهو عامل توصيل سنغالي يعمل مع "ديليفيرو" و"أوبر إيتس"، مع ما سبق، قائلا إن "الخوارزمية تعاقب العمال الذين تصنفهم سلبياً"، ومن ذلك أن يرفض عدّة طلبات متتالية، أو يتوقف عن العمل لفترة من الزمن أو يسكن في منطقة واحدة لمدة طويلة. ويتمثّل العقاب في أن يجد بعض العمّال حساباتهم متوقفة عن العمل من دون إنذار، أو أنهم يصبحون غير قادرين على الوصول إليها.
هنا يشير شوفالييه إلى أن بعض التجارب الموثقة أظهرت "غرابة" الخوارزمية التي تقترح مبالغ مختلفة لعمّال يقومون برحلة التوصيل ذاتها. ويضيف: "لا أحد يعرف كيف تعمل الخوارزمية، في ظل عدم وجود تفتيش رسمي على آلية عمل هذه المنصّات". ويدفع الغموض هذا كثيراً من العمّال إلى الانصياع لما يظنّون أن الخوارزمية "تنتظره" منهم، مثل إظهار نشاط زائد على التطبيق والموافقة على طلبات قد لا تكون مناسبة، حفاظاً على مصدر رزقهم.
ومن هذه النقطة تنطلق الشكوى لتتحدّث عن الاتجار بالبشر "من خلال العمل القسري"، إذ يرى مقدّموها أن هذا النموذج الاقتصادي يقوم على خوف العامل من فقدان مصدر رزقه، وعلى اضطراره إلى قبول ما يرفضه من يملك هامشاً حقيقياً للاختيار. ولا يرى شوفالييه في هذا التوصيف القانوني أي مبالغة، موضحاً منطقه بقوله: "يمكننا أن نتساءل إن لم تكن المنصّات قد شيّدت نموذجها على الهشاشة، فالأجر متدنٍّ إلى حد يدفع إلى التساؤل: ألم تراهن هذه الشركات على وجود أشخاص هشّين يقبلون دائماً العمل بهذه الأجور؟".
ويضيف: "نحن لا نعرف الكثير عن كيفية عمل الخوارزمية، ولا عن أنظمة تقييم العمّال الخفية، ولا نملك سوى الافتراض. لكن عندما نجمع هذه العناصر كلها، يحق لنا أن نتساءل: ألسنا أمام شكل حديث من أشكال الاستغلال عبر العمل؟ لسنا بالتأكيد أمام وسائل الإكراه المباشرة التي كانت تُستخدَم في العصور القديمة، لكن من المشروع أن نتساءل إن كانت المنصّات تستخدم طريقةً حديثةً لاستغلال الناس".
حق الرد
لم تردّ شركة "ديليفيرو" حتى كتابة هذه السطور على طلب "العربي الجديد" التعليق على الوقائع السابقة والواردة في الشكوى، بينما ردّت شركة "أوبر إيتس" على لسان مديرة الاتصالات في فرنسا والاتحاد الأوروبي ريم صقر التي قالت: "نرفض بشدّة هذه الاتهامات التي لا تتوافق مع نموذجنا أو قيَمنا. هذه الشكوى لا تستند إلى أي أساس".
وأضافت أن توصيف "الاتجار بالبشر"، بحسب التعريف القانوني الوارد في المادة 225-4-1 من قانون العقوبات الفرنسي، "لا ينطبق على القضية المطروحة". وتابعت أن الموصّلين "كسبوا عام 2025 دخلاً بلغ 21.50 يورو في ساعة من العمل، بزيادة قدرها 5% عن 2024"، مع "حدّ أدنى ساعيّ مضمون" قدره 14 يورو، بحسب كلامها.
على أن الشكوى تستند أيضاً إلى القول بأن النظام الذي تعتمد عليه الشركتان يستغل هشاشة الموصّلين، في وقت يشكّل المهاجرون الغالبية الساحقة منهم، ولأن كثيراً منهم لا يملكون أوراق إقامة، فإنهم يجدون أنفسهم خارج الإطار الذي ينظمه قانون العمل الفرنسي بما يفرضه من حماية للموظفين عند التعرّض لحوادث العمل. ويُلخّص شوفالييه المسألة بجملة واحدة: "لا توجد قوانين تُقيّد عمل هذه الشركات. بوسعها فعل أي شيء".
يشكّل المهاجرون الغالبية الساحقة من عمّال التوصيل في فرنسا
على هذا المستوى، لا تخلو القضية، من بُعد سياسي يشرح ردود فعل بعض الأصوات اليسارية الفرنسية بُعيد الكشف عن الأمر. ففي تدوينة على منصّة "إكس" كتبت النائبة في البرلمان الأوروبي عن حزب "فرنسا الأبية" ليلى شايبي: "مَن سمح بوجود نظام الاتجار بالبشر هذا في فرنسا؟ إ. ماكرون. هو الذي هندس الوضعية القانونية هذه، وضعية العامل المستقل المزيّف. وهو المتورّط في قضية أوبر فايلز".
القضية التي تشير إليها شايبي هي التسريبات التي حلّلها تحالف دولي من الصحافيين عام 2022، وتشمل أكثر من 124 ألف وثيقة جرى تهريبها من داخل شركة "أوبر"، تعود إلى الفترة ما بين 2013 و2017. وقد دفعت قضية "أوبر فايلز" السلطات الفرنسية إلى تشكيل لجنة تحقيق برلمانية نشطت بين ديسمبر/كانون الأول 2022 ويوليو/تموز 2023 برئاسة النائب حينها ووزير الدولة لشؤون أوروبا حالياً بنجامان حدّاد، في حين شغلت النائبة دانييل سيمونيه دور المقرّرة فيها. ونشرت اللجنة خلاصاتها في تقرير صدر في 11 يوليو 2023.
يكشف التقرير، الذي يمتد على 653 صفحة، أن إيمانويل ماكرون حين كان وزيراً للاقتصاد (2014 ـ 2016) كان "في الصفّ الأوّل من داعمي شركة أوبر"، وأن العلاقة التي جمعته بالشركة كانت "مميّزة إلى حدّ بعيد". ويشير إلى أن هذا "يشرح جزئياً لماذا فشلت السلطات في مواجهة استراتيجية أوبر". وهي استراتيجية يصفها التقرير بأنها قامت "على انتهاك القانون عمداً" بفضل "حملة ضغط شديدة العنف هدفها التغلغل إلى قلب النخب الفرنسية والتأثير في المجتمع لتعزيز صورة أوبر وضمان تعديل القوانين لتتوافق مع نموذج أعمالها منذ عام 2013".
ملامح "العلاقة المميزة"
لفهم هذه العلاقة "المميّزة" بين الشركة وماكرون، يقدم التقرير السابق نماذج أبرزها حين أصدر محافظ مرسيليا لوران نونيز قراراً بحظر خدمة "أوبر إكس" في بعض أماكن المدينة في أكتوبر 2015، أرسل مارك ماكغان، مسؤول التأثير والضغط حينها لدى "أوبر"، والذي سرّب الملفات من الشركة إلى الصحافة، رسالة هاتفية إلى ماكرون يطلب تدخّله، فكان الرد: "سأنظر في الأمر شخصياً. أرسل لي كل الوقائع وسنأخذ قراراً من الآن إلى حلول المساء". وعقب نجاح التدخّل وإصدار المحافظ قراراً ثانياً يلغي الأوّل ويخفف من المنع المذكور فيه، بعث ماكغان شكره للوزير: "تعاونٌ ممتاز مع مكتبك، شكراً لدعمك"، فأجابه ماكرون: "هذا طبيعي".
ويُفصّل التقرير في خلاصته بالقول: "وجدتْ أوبر حلفاء لها في أعلى مستويات الدولة، وفي مقدّمهم السيد إيمانويل ماكرون، سواء حين كان وزيراً للاقتصاد أو عندما صار لاحقاً رئيساً للجمهورية. وتُظهر سرّية الاتصالات وكثافتها بين أوبر وإيمانويل ماكرون ومكتبه علاقةً غامضة لكن مميزة، كما تكشف عن عجز نظامنا على تقدير وتجنّب الدور الذي يلعبه تضارب المصالح الخاصة في التأثير على القرار العام". ويُضيف النص البرلماني: "كان إيمانويل ماكرون سنداً ثميناً لأوبر، وذلك بدءاً من "الصفقة" التي جرى التفاوض عليها سراً مع أوبر، خلافاً لتوجّهات الحكومة آنذاك ومن دون أن يدرك الفاعلون في تلك المرحلة ذلك، ووصولاً إلى النفوذ الخفي الذي مُورس على عدد من التعديلات القانونية أو النصوص التشريعية. أمّا مسألة المقابل الذي قد يكون حصل عليه، فتبقى مفتوحة في ضوء العناصر التي قدّمها لنا المُبلّغ عن المخالفات، مارك ماكغان".
وكشف ماكغان أمام اللجنة البرلمانية أن ماكرون، حين لم يعد وزيراً للاقتصاد وبات مرشحاً للانتخابات الرئاسية التي ستقام عام 2017، دعاه إلى عشاء ليطلب منه المساهمة في تمويل حملته الانتخابية، وهو ما سيفعله الرجل مرّتين (عامي 2016 و2017). وتُظهر رسائل نصية بين ماكغان وتيبو سامفال، مدير "أوبر فرنسا" آنذاك، مُدرجة في التقرير البرلماني، حجمَ التشابك بين مصالح الشركة والحسابات الانتخابية. حيث يقترح سامفال "تقديم الدعم، بما في ذلك الدعم المالي" لحملة ماكرون، وتنظيم "عشاء لجمع التمويل في باريس مع أشخاص من أصحاب التأثير"، لكنه يشترط أولاً التثبّت من موقف الوزير تجاه "أوبر" ومصالحها، وهو ما يجيبه عليه ماكغان بالقول: "سأستطلع رأيه حول أوبر يوم الخميس".
وتخلص اللجنة البرلمانية في تقييمها إلى أنه "كان مفيداً جداً" لماكرون أن يدعم "أوبر". فبوصفه وزيراً للاقتصاد، كان فتْح الباب أمام الشركة الأميركية "حجّةً في معركته" الانتخابية بوصفه مرشحاً قادراً على خلق فرص عمل جديدة، فيما "كان اكتساب ثقة الدوائر الأوليغارشية المحيطة بالشركات التقنية الأميركية الكبرى مفيداً له في مسعاه للوصول إلى رئاسة الجمهورية، إذ لم تكتفِ هذه الشبكات بمساعدته في جمع التمويل الانتخابي، بل هي أيضاً بالغة التأثير في عدد كبير من وسائل الإعلام ومعاهد استطلاع الرأي التي تعود ملكيتها لبعض من هذه المجموعات الكبرى".
غير أن ثمة سؤالاً قانونياً يطرحه التقرير ولا يُجيب عنه بحسم. فقد طلبت اللجنة من رئيس منظمة "ترانسبارنسي إنترناشيونال فرنسا"، باتريك ليفاس، رأيه في مشروعية دعم ماكغان مالياً لحملة ماكرون، فأجاب ليفاس: "يُحظر في فرنسا على الأشخاص الاعتباريين ـ ومنهم العاملون في التأثير والضغط ـ تمويلُ الحملات الانتخابية. غير أننا نُلاحظ غياب الوضوح حول الدور، المتواضع لكن الحقيقي، الذي أدّاه ماكغان في حملة ماكرون الرئاسية الأولى، وحول استغلال 'أوبر' المحتمل لهذه الحملة. الجهة الفاصلة في هذا الأمر هي اللجنة الوطنية لحسابات الحملات الانتخابية وتمويلها السياسي، وهذه اللجنة لم تجد ما يستوجب الملاحظة في هذا الموضوع".
هكذا، يبقى السؤال الجوهري معلّقاً، وإن كان التقرير البرلماني يُلمّح إلى سبب تعليقه. فالمقرّرة سيمونيه أشارت إلى أن رئاسة اللجنة رفضت باستمرار استجواب أي من أعضاء مكتب ماكرون طوال فترة التحقيق، ومنهم إيمانويل لاكريس، نائب مدير مكتب وزير الاقتصاد آنذاك، والذي وصفه أحد الشهود بأنه "تصرّف كمدير علاقات عامة لأوبر". وهو ما يطرح سؤالاً: هل المسألة تبقى "مفتوحة"، بحسب تعبير التقرير، بسبب غياب الأدلة، أم بسبب غياب الشهود؟
وعلى أيّ حال، فإن التقرير يكشف أن العلاقة لم تنقطع بانتقال ماكرون من الوزارة إلى القصر الرئاسي عام 2017، بل يبدو أنها ازدادت كثافةً. فوفقاً لوثائق من "أوبر" اطلعت عليها المقررة سيمونيه، تواصلت الشركة الأميركية 34 مرّة مع مكتب رئيس الجمهورية بين عامَي 2018 و2022. وهي تقارن بين دلالة هذا التواصل المكثّف وبين غيابه تماماً في عهد الرئيس السابق فرنسوا هولاند، الذي أكّد للمقرّرة برسالة مكتوبة أنه "لم يجر أي اتصال شخصي بشركة أوبر طوال فترة ولايته". وفي ظل عدم تقدّم أي من أعضاء مكتب ماكرون للإدلاء بشهادة حول هذه العلاقة، تكتفي المقرّرة بالقول إن هذا التواصل "يبدو شاهداً على إرادة إيمانويل ماكرون في توطيد صلة بشركة أوبر، عن طريق مكتبه، أكثر مما فعله سلفه".
بالنسبة إلى منتقدي منصّات التوصيل وقسم من اليسار الفرنسي، فإن ماكرون ما يزال يُمثّل عقبة أساسية في هذا الملف حتى اليوم. ففي منشورها المذكور على منصة "إكس"، تتّهمه النائبة الأوروبية ليلى شايبي صراحةً بأنه "يعرقل تطبيق التوجيه الأوروبي القاضي بافتراض صفة الموظّف" على العاملين مع منصّات التوصيل مثل "أوبر". ويقضي هذا التوجيه، الذي صوّت عليه الاتحاد الأوروبي في أكتوبر 2024، بتمكين الدول الأعضاء من منح عمّال المنصّات حقوق الموظفين العاديين ضمن شروط محددة. غير أن فرنسا لم تُترجمه حتى اليوم في تشريعات خاصّة بها.
هنا يؤكد شوفالييه أن العمل بهذا التوجيه سيُمثّل خطوة جوهرية: "لأنه يضع أسساً لتنظيم الخوارزمية وإلزام المنصّات بالشفافية، ولا سيما حول أنظمة تقييم العمّال، التي تبدو ضبابية اليوم".

أخبار ذات صلة.
بايرن ميونيخ يواجه سان جيرمان بزي جديد
الشرق الأوسط
منذ 11 دقيقة