عربي
في محاولة إضافية لإعادة تحريك واحد من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً في العراق أخيراً، اتّخذ مجلس القضاء الأعلى خطوات لتوسيع العمل على ملفّ المفقودين ومجهولي الهوية، من خلال تنسيق داخلي، وكذلك دولي، يشمل جمع عينات البصمة الوراثية ومطابقتها مع رفات عُثر عليها في المقابر الجماعية. وعلى الرغم من أهميّة هذه الخطة، فإنّها تواجه تشكيكاً واسعاً من قبل عائلات المفقودين التي تشير إلى أنّ سنوات الانتظار الطويلة أضعفت ثقتها بقدرة المؤسسات على كشف الحقيقة.
وأوضح مجلس القضاء الأعلى في العراق أنّ المركز الوطني للتعاون القضائي الدولي عقد أخيراً اجتماعاً موسّعاً، ضمّ ممثلين عن وزارات الداخلية والخارجية والصحة العراقية، إلى جانب جهات دولية، للبحث في آليات تسهيل أخذ عينات الحمض النووي من عائلات المفقودين، خصوصاً المقيمين في الخارج، بهدف مطابقتها مع رفات استُخرج من مقابر جماعية في محافظة نينوى شمالي البلاد.
وشدّد رئيس المركز الوطني للتعاون القضائي الدولي القاضي علي حسين جفات على "أهمية تكامل الجهود بين المؤسسات الوطنية والجهات الدولية، وتسخير الإمكانات الفنية لإنجاز هذا الملف الإنساني"، مشيراً إلى أنّ مثل "هذه الخطوات تأتي في إطار التزام العراق بمبادئ العدالة وصون كرامة الضحايا". لكن، على الأرض، يبدو أنّ هذا المسار التقني والقضائي لا يبدّد شكوك العائلات التي ما زالت تبحث عن إجابات لمعرفة مصير ذويها منذ سنوات.
الثقة ضاعت... رواية من الموصل
في مدينة الموصل الواقعة بمحافظة نينوى حيث تُسجَّل نسبة كبيرة من حالات الاختفاء منذ سيطرة تنظيم داعش على المنطقة في صيف عام 2014 وما أعقبها من معارك ثمّ نفوذ الفصائل المسلحة، يروي رجل عراقي قصة فقدان ابنه في عام 2017. ويقول لـ"العربي الجديد": "خرج ولدي البالغ من العمر 19 عاماً (حينها) ولم يعد حتى اليوم"، مضيفاً: "لا أعرف إذا اختُطف على يد تنظيم داعش أو جهة أخرى".
ويتابع الرجل الذي فضّل عدم الكشف عن هويته: "راجعت كلّ الجهات، وقدّمت طلبات، وأعطيت معلومات، غير أنّ شيئاً لم يتغيّر". ويشير إلى أنّ "اليوم، عندما يردني خبر انعقاد اجتماعات وخطط جديدة، لا أشعر بشيء"، مشدّداً على أنّ "الحكومة والقضاء خيّبا آمالنا، ولم يضطلعا بدورهما الحقيقي في التحقيق وكشف من يقف وراء هذه الجرائم".
وتبدو شهادة هذا الوالد ترجمةً لحالة عامة بين ذوي المفقودين، إذ لم يعد هذا الملف بالنسبة إلى هؤلاء مجرّد مسألة إجرائية، بل اختباراً للثقة بالمؤسسات بعد خيبات متكرّرة.
مقابر العراق الجماعية بداية لا نهاية
في هذا الإطار، يرى الناشط الحقوقي ظافر الحيالي أنّ "العقدة الكبرى في ملف المفقودين في العراق لا تكمن في أعداد هؤلاء الكبيرة، بل في تداخل الجهات التي يُشتبه في تورّطها. يضيف لـ"العربي الجديد" أنّ "آلاف الحالات تعود إلى فترة سيطرة داعش، غير أنّ ثمّة حالات اختفاء وقعت خلال العمليات العسكرية (في أثناء التحرير) أو بعدها، الأمر الذي يجعل تحديد المسؤولية أمراً بالغ الصعوبة".
ويؤكد الحيالي أنّ "العائلات لا تعرف من تحاسب؛ ثمّة من يتّهم داعش وآخرون يشيرون إلى فصائل مسلحة، فيما ترتبط حالات بإجراءات أمنية غير واضحة"، مبيّناً أنّ "هذا التداخل، إلى جانب ضعف الأداء الحكومي وكذلك القضائي في السنوات الماضية، جعلا الملف من دون حلول حقيقية". ويشير إلى أنّ "وجوب أن يتجاوز أيّ تحرك جديد الجانب الفني، فيتّجه نحو تحقيقات جدية ومساءلة قانونية، لأنّ معرفة الهوية وحدها لا تكفي إذا لم تُكشف الحقيقة كاملة".
وعلى الرغم من أنّ فتح المقابر الجماعية يمثّل خطوة أساسية في تحديد مصير الضحايا، فإنّ خبراء يرون أنّ هذا المسار وحده غير قادر على إغلاق الملف؛ فكلّ رفات يُصار إلى التعرّف إليه يطرح أسئلة جديدة حول ظروف الوفاة والجهة المسؤولة.
تجدر الإشارة إلى أنّ تقارير دولية تفيد بوجود مئات من المقابر الجماعية في مناطق مختلفة من العراق، تعود إلى فترات زمنية مختلفة، من حقبة ما قبل عام 2003 (تاريخ الغزو الأميركي للعراق) إلى سنوات الحرب على تنظيم داعش، الأمر الذي يجعل هذا الملف غير مرتبط بمرحلة واحدة ويمتدّ عبر تاريخ طويل من العنف.
بين التحرك الرسمي وذاكرة الألم
وتبدو الحكومة العراقية ماضية في سعيها إلى إظهار التزامها بإغلاق ملف المفقودين، عبر تعزيز التعاون مع منظمات دولية وتطوير أدوات الفحص الجنائي، غير أنّ فجوة الثقة مع العائلات تظلّ التحدي الأكبر، خصوصاً في ظلّ غياب نتائج ملموسة خلال السنوات الماضية. وبالنسبة إلى آلاف العائلات، لا يكفي إعلان خطط أو عقد اجتماعات، فما تطالب به هو إجابة واضحة لأسئلة من قبيل "من اختطف أبناءنا؟" و"أين انتهى بهم المطاف؟".
يُذكر أنّ÷ في الفترة الممتدّة من عام 2014 إلى عام 2017 غُيّب ما لا يقلّ عن 40 ألف عراقي، على يد تنظيم داعش ومليشيات مسلحة مرتبطة بـ"الحشد الشعبي" إبان نزوح هؤلاء من مناطقهم، وفقاً لتقديرات حقوقية، إذ لا تقدّم حكومة العراق أيّ أرقام رسمية حول أعداد المختفين قسراً والمفقودين لأسباب ذات أبعاد سياسية.
ويُصنَّف العراق من بين أكثر البلدان التي شهدت حالات اختفاء وفقدان لأشخاص خلال العقود الخمسة الماضية. وتؤكد اللجنة الدولية للصليب الأحمر هذا الأمر، إذ تفيد في تقاريرها بأنّ العراق اليوم "إحدى الدول التي تضمّ أكبر عددٍ من المفقودين في العالم من جرّاء عقود من النزاعات المسلحة المتعاقبة وفترات اتّسمت بشيوع العنف".
