عربي
هل كان تفجّر الوضع في مالي مفاجئاً لأي طرف محلي أو إقليمي؟ ليس كذلك. كل هذه المآلات التي انتهت إليها التطورات في الساحة المالية، ليست مفاجئة؛ فقد كان واضحاً منذ فترة أن السلطة المركزية في مالي استهلكت نزعتها القومية، ولم تقدم بديلاً جدياً منذ قرارها إلغاء اتفاق الجزائر للسلام في سبتمبر/ أيلول 2023 (الموقع عام 2015 بين الحكومة المالية والحركات الانفصالية في شمالي البلاد). كما أن الجيش المالي كان يفقد السيطرة على الأرض في الشمال، وجحافل "القاعدة" تقترب من العاصمة باماكو وتقطع طرق الإمداد والتموين منذ يناير/ كانون الثاني الماضي، فيما كان تحالف دول الساحل الذي يضم مالي والنيجر وبوركينا فاسو عاجزاً عن مواجهة كل هذه التطورات.
تختلف السياقات وظروف الحالة المالية عن الحالة السودانية بالتأكيد، لكن استحضار الحالة الأخيرة من باب المحاذير التي لا يجب أن تسقط فيها مالي، يبقى ضرورياً بالنسبة للمنتظم الإقليمي المعني بالتطورات والمآلات في مالي. مآلات قد تذهب بعيداً في تأثيراتها السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية على كامل منطقة الساحل، والتي تعاني من الهشاشة البالغة والفراغ التنموي والمؤسسي في كل جغرافية الصحراء التي تتأثر بشكل مترابط نتيجة عوامل العلاقات الإثنية والاجتماعية التي تحكم نسيج المنطقة، وتداعي الاقتصاديات المحلية المتواضعة.
يُفترض أن يكون قد اكتسب العقداء الخمسة في الجيش المالي الذين قادوا انقلاب مايو/أيار 2021 (أسيمي غويتا ومالك دياو وساديو كامارا الذي قتل في الهجوم الأخير، وموديبو كوني وبابا سيسي) خلال السنوات الخمس الماضية، وعلى رأسهم رئيس السلطة الانتقالية أسيمي غويتا، قناعة أكيدة بأن خيار الحل العسكري في الحالة المالية بتعقيداتها الجغرافية والإثنية والعرقية والسياسية، وبهشاشتها الاقتصادية والاجتماعية، غير ناجز، بل يضيف للأزمة تعقيدات أخرى وينسف أسس السلم الأهلي. كما أن وضع المؤسسة العسكرية في نقطة تمركز سياسي واستبعاد كل المكونات الوطنية يفوّتان على مالي فرصة لتقاسم الأعباء، وأن سياسة استعداء الجوار كالجزائر ومناوشة موريتانيا، قراءة خاطئة تماماً وخطيئة سياسية بحق الماليين أنفسهم. الوقت لم يفت بعد بالنسبة للأطراف الإقليمية القادرة على منع انزلاق مالي نحو حالة فوضى واقتتال داخلي، خصوصاً مع ورود تقارير عن مشكلات بين قوات الجيش والحرس الوطني، وتباين في المواقف بين القيادات العسكرية حول كيفية الخروج من المأزق الحالي ومواجهة التطورات الضاغطة.
هناك مخاوف جدية تُستقرأ في بعض المواقف والبيانات الحكومية في مالي، من أن تستحكم شهوة السلطة في قيادة المجلس العسكري وتدخل في حالة إنكار الواقع القائم بكل تمثلاته الأمنية والسياسية المستحكمة، وتدفع نحو تفجير الوضع على قاعدة "عليّ وعلى أعدائي"، وهذا أسوأ ما يمكن أن يحدث. لا يجب أن تتكرر تجربة الانفلات المرير والانهيار اللذين حصلا في مالي في عام 2012، ودفعت دول جوار مالي بعض أثمانهما، على غرار الجزائر (الهجوم الكبير على منشأة الغاز تيقنتورين في يناير 2013). ما زال ممكناً توفير إطار يبقي الصراع بمالي في حدود يمكن احتواؤها وإعادة تأطيرها في تفاهمات سياسية، تساعد على تحييد مالي عن سبيل الوقوع تحت سيطرة الحركات المتشددة، والتي باتت سهلة الاختراق والتوظيف والتوجيه، وعن وقوع حالة احتراب داخلي في عمق الدولة وصلب الجيش. تملك الجزائر الضرورة أولاً، وثانياً القدرة والإمكانات والتجربة والعلاقة مع كثير من المرجعيات ذات الثقل والتأثير في مالي، للمساعدة في إيجاد المخارج الممكنة لمنع الحالة المالية من الانزلاق إلى ما هو أسوأ.
