عربي
تشهد خدمات الترميم في قطاع غزة ارتفاعاً كبيراً في تكاليفها، لتتحول من عمليات إسعافية محدودة إلى مشاريع شبه إعمارية تتطلب ميزانيات ضخمة في ظل واقع اقتصادي وإنساني بالغ التعقيد. فبين نقص المواد الخام وارتفاع أسعار الوقود وتدمير البنية التحتية، أصبحت أبسط أعمال الصيانة عبئاً مالياً يفوق قدرات المؤسسات المحلية والجهات الداعمة. وفي هذا السياق، لم تعد عمليات الترميم مجرد حلول مؤقتة لإعادة الحياة إلى المرافق المتضررة، بل أصبحت جزءاً من معادلة صعبة بين الحاجة الملحة للخدمات الأساسية وبين الكلفة الباهظة لتنفيذها. ويبرز ذلك بوضوح في قطاعات المياه والطاقة والنظافة وإزالة الركام، حيث تضاعفت النفقات بشكل كبير مقابل نتائج محدودة ما يطرح تساؤلات جدية حول جدوى هذا المسار. ومع استمرار الأزمة، يتزايد القلق من أن يتحول "التعافي المبكر" إلى حالة دائمة من الحلول المؤقتة مرتفعة الكلفة بدلاً من أن يكون جسراً نحو إعادة الإعمار الشامل.
أرقام مقلقة
بدوره، يقول المهندس عبد الله رمضان، العامل في إحدى شركات المقاولات التي تنفذ مشاريع ترميم في غزة، إن تكلفة الترميم اليوم تجاوزت بأكثر من ستة أضعاف التكلفة الحقيقية التي كانت سائدة قبل الحرب، بسبب انعدام المواد الأساسية وشحها في الأسواق. ويضيف رمضان لـ"العربي الجديد": "نحن نعمل على مشاريع تمس الخدمات الأساسية للمواطنين، مثل المياه والصرف الصحي، لكننا نواجه صعوبات كبيرة في توفير المواد الخام اللازمة، وحتى عندما تتوفر نجد أن أسعارها تضاعفت بشكل غير منطقي، ما يضعنا أمام تحديات يومية في تنفيذ المشاريع". ويتابع: "نعتمد في كثير من الأحيان على مواد معاد استخدامها بعد إخضاعها لأعمال صيانة، لكن ذلك لا يعوض النقص في الجودة بل يزيد من كلفة العمل، لأننا نبذل جهداً إضافياً لتجهيز هذه المواد من دون أن نصل إلى نفس الكفاءة التي كانت توفرها المواد الجديدة". وتعكس الأرقام الحالية حجم التحدي الذي تواجهه عمليات الترميم في قطاع غزة، على سبيل المثال، ارتفعت تكلفة إنشاء أصغر بئر غاطس، إلى نحو 15 ألف دولار أو أكثر مقارنة بأقل من ثلاثة آلاف دولار فقط قبل الحرب.
ولعل المفارقة أن هذه الزيادة الكبيرة تأتي رغم الاعتماد على مواد مستخدمة ومعاد تأهيلها، ما يعني تراجع الجودة مقابل ارتفاع الكلفة. ولا يقتصر الأمر على قطاع المياه، بل يمتد إلى مختلف القطاعات المرتبطة بالخدمات الأساسية، إذ شهد سعر لتر السولار قفزات حادة، حيث يبلغ حاليا نحو 35 شيكلاً وقد وصل في بعض الفترات إلى 60 و100 شيكل، مقارنة بخمسة إلى ستة شواكل قبل الحرب. هذا الارتفاع انعكس مباشرة على تكاليف تشغيل الآليات الثقيلة والمولدات المستخدمة في إزالة الركام وفتح الطرق وتحلية المياه ونقلها، ما أدى إلى تضاعف أجور هذه الخدمات بشكل كبير. كما تعاني محطات تحلية المياه نقصاً حاداً في الفلاتر والتي لم تدخل إلا بكميات محدودة منذ بداية الحرب، ما أدى إلى اختفائها من السوق المحلي. هذا الواقع أثر مباشرة على جودة المياه المنتجة في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى كميات أكبر من المياه.
تكاليف باهظة
من جانبه، يحذر خبير البنية التحتية والإسكان المهندس محمد العسكري، من أن أعمال التعافي المبكر في غزة، رغم ضرورتها الملحة تشهد ارتفاعاً كبيراً في التكاليف مقابل أثر محدود على مستوى الخدمات. ويقول العسكري لـ"العربي الجديد" إن هذه الأعمال تشمل إصلاح شبكات المياه والصرف الصحي وترميم المراكز الصحية وإقامة مراكز إيواء وفتح الطرق وجمع النفايات. ويضيف: "المواد الأولية المتوفرة في غزة لتنفيذ هذه المشاريع قد تنفد خلال أسابيع أو أشهر قليلة، ما يهدد بتوقف هذه الأعمال في أي لحظة"، مؤكداً أن غزة تدفع اليوم كلفة أعمال بسيطة بأسعار مشاريع كبرى في محاولة لإنقاذ الحياة، وهو ما يؤدي إلى استنزاف موارد المانحين دون تحقيق الحد الأدنى من جودة الحياة. ويحذر العسكري من خطر انفصال مرحلة التعافي المبكر عن مسار إعادة الإعمار، موضحاً أن استمرار هذا النمط من التدخلات قد يحولها إلى حالة دائمة من المعالجات المؤقتة مرتفعة الكلفة ومنخفضة الأثر، بدلاً من أن تكون مرحلة انتقالية نحو إعادة البناء المستدام.
وفي قراءة اقتصادية للمشهد، يقول المختص في الشأن الاقتصادي سمير أبو مدللة إن التقديرات الدولية تشير إلى أن تكلفة إعادة إعمار قطاع غزة تصل إلى نحو 70 مليار دولار، ما يجعلها واحدة من أضخم عمليات إعادة البناء في تاريخ الصراع. ويضيف أبو مدللة لـ"العربي الجديد" أن هذه التكلفة تشمل إزالة قرابة 60 مليون طن من الركام وإعادة تأهيل أكثر من 425 ألف وحدة سكنية دمرت كلياً أو جزئياً، مبيناً أن غزة تقف اليوم أمام معادلة صعبة بين الحاجة الملحة لإعادة الخدمات الأساسية وبين كلفة تنفيذها في بيئة تفتقر إلى الحد الأدنى من الموارد. ولفت إلى أن هناك حاجة إلى نحو 20 مليار دولار خلال أول عامين فقط لإعادة بناء المساكن والبنية التحتية الحيوية، مثل المياه والكهرباء والطرق، "لكن التحدي لا يكمن في حجم التمويل فقط، بل في آلية توفيره واستدامته".
ويحذر أبو مدللة من أن بطء تدفق التمويل أو استمرار القيود على إدخال المواد الخام سيحول عملية الإعمار إلى مجرد إجراء شكلي غير قادر على تحقيق تنمية حقيقية، مؤكداً أن بناء اقتصاد مستدام في غزة يتطلب فتح المعابر وتفعيل دور القطاع الخاص وإشراك الكفاءات المحلية في تنفيذ المشاريع.
ويلفت إلى أن آليات التمويل والرقابة تمثل عنصراً حاسماً في هذه المرحلة، لضمان توزيع عادل للمشاريع وإعادة تشغيل المصانع ودعم سلاسل الإمداد المحلية، بما يسهم في تحويل التعافي المبكر إلى نقطة انطلاق نحو إعادة إعمار حقيقية ومستدامة.
