مبادرة زراعية لتعزيز صمود النازحين في مخيمات غزة
عربي
منذ ساعتين
مشاركة
شكلت مبادرة زراعة المخيمات في قطاع غزة نموذجاً يُحتذى لدعم صمود النازحين بعد حرب الإبادة الجماعية وتوفير بعض احتياجاتهم الغذائية، وسط الظروف القاهرة والحصار الإسرائيلي الخانق. في ظل التحديات الإنسانية المتفاقمة في قطاع غزة، تبرز مبادرات مبتكرة تسعى إلى التخفيف من وطأة حرب الإبادة الجماعية التي ارتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي وتداعياتها المتواصلة. ومن بين تلك المبادرات نموذج زراعة المخيمات الذي يُعدّ تجربة مجتمعية رائدة تهدف إلى تحويل مساحات اللجوء المؤقّت إلى بيئات إنتاجية قادرة على دعم صمود النازحين. يقوم النموذج على فكرة استثمار الأراضي الفارغة ومحيط مراكز الإيواء لإنشاء حدائق زراعية صغيرة تُدار بشكل جماعي، بما يساهم في توفير مصدر غذائي مستدام ويعزز الاعتماد على الذات في ظل شح الموارد وانقطاع سلاسل الإمداد مع استمرار الحصار الإسرائيلي. وفي هذا السياق، توضح الناطقة الإعلامية لجمعية الإغاثة الزراعية نهى الشريف، أن النموذج يأتي ضمن تدخلات الاستجابة الإنسانية الهادفة إلى دعم سبل العيش وتعزيز الأمن الغذائي للأسر المتضررة، باحتضان وتنفيذ مبادرات زراعية مجتمعية داخل مراكز الإيواء، بما يتيح للنازحين في غزة فرصة إنتاج جزء من احتياجاتهم الغذائية بأنفسهم، ويخفف من الاعتماد على المساعدات الخارجية. أصناف ملائمة للظروف وتضيف الشريف لـ"العربي الجديد" أن "مساحة النموذج تختلف بحسب الموقع المتوفر داخل كل مخيم، إذ يتم استغلال الأراضي الفارغة أو المحيطة بمراكز الإيواء، وتُراوح المساحات المزروعة عادةً بين 1500 و2000 متر مربع. وقد نُفّذ النموذج في مناطق عدة بقطاع غزة، وضمن مجموعة من مخيمات النزوح، حيث جرى التركيز على زراعة أصناف ملائمة للظروف الراهنة، وسريعة الإنتاج، مثل البندورة والخيار والفلفل والباذنجان". وتتابع الشريف: "لا يقتصر الهدف على توفير الغذاء فحسب، بل يمتد ليشمل تحسين الحالة النفسية والاجتماعية للنازحين، من خلال إشراكهم في أنشطة إنتاجية تعزّز الشعور بالجدوى والانتماء، خصوصاً لدى الفئات الأكثر هشاشة، مثل الأسر التي تُعيلها النساء وكبار السن، إلى جانب الأسر التي فقدت مصادر دخلها، كما نطمح إلى تعميم هذا النموذج مستقبلاً ليشمل مخيمات أخرى، في حال أثبت النموذج الحالي نجاحه واستدامته". ويعكس النموذج توجهاً متزايداً نحو تبنّي حلول مبتكرة داخل البيئات الهشّة، تعتمد على الإمكانات المتاحة في غزة بدل انتظار تدخلات خارجية قد تتأخر أو تكون محدودة، كما يبرز دور الزراعة الحضرية بوصفها أداة فعالة في الأزمات، ليس فقط لتأمين الغذاء، بل أيضاً لإعادة إحياء العلاقة بين الإنسان والأرض حتى في أكثر الظروف قسوة. مساعدات عينية من جانبه، يلفت المهندس الزراعي في جمعية الإغاثة الزراعية أحمد قاسم إلى أن نموذج المبادرات الزراعية المجتمعية يأتي ضمن التوجهات الطامحة نحو خلق حلول لمعالجة إشكالية انعدام الأمن الغذائي وتداعيات تدمير المساحات الزراعية، وهو يُعدّ أول تدخل من نوعه بعد الحرب الإسرائيلية التي شهدها القطاع لأكثر من عامين. ويوضح قاسم لـ"العربي الجديد" أن النموذج يركز على فكرة زراعة المخيمات باعتبارها مساحات قابلة للإنتاج، انطلاقاً من مبدأ ضرورة امتلاك كل مخيم حيازة زراعية في محيطه أو تحت تصرفه، بما يسهم في توفير الغذاء الطازج لسكانه، ولا سيّما في ظل النقص الحاد بمختلف مقوّمات الحياة، وعلى رأسها المواد الغذائية. ويشير قاسم إلى أن النموذج يشمل عدداً من المخيمات في مرحلته الأولى، وأن الحيازة الزراعية لكل مخيم تبلغ قرابة دونمين، وتخدم هذه المساحات نحو ألف أسرة، بمتوسط يصل إلى 5600 شخص، ما يعكس الأثر المباشر للمشروع في دعم شريحة واسعة من النازحين. ويبيّن أن تنفيذ النموذج تضمّن تقديم مساعدات عينية للمخيمات المستهدفة، شملت تأهيل الأراضي الزراعية واستصلاحها، وهو ما شكل تحدياً كبيراً نظراً لإقامة المخيمات على أراضٍ غير زراعية، إلى جانب توفير المعدات اللازمة مثل أنظمة الري، والشتول، والبذور، ومستلزمات الإنتاج من أسمدة ومبيدات. تدريب ومتابعة إلى جانب ذلك، تُنظّم تدريبات متخصصة للجان القائمة على إدارة هذه المبادرات، تتناول الجوانب الإدارية والفنية، مع متابعة دورية من طواقم متخصّصة تنفّذ أنشطة زراعية وتوعوية، إلى جانب إنشاء منصات تواصل إلكترونية لتسهيل التواصل والإجابة عن استفسارات المستفيدين. ويشير قاسم إلى أن منتجات هذه المبادرات تُوزّع وفق معايير محددة تستهدف الفئات الأكثر هشاشة داخل المخيمات، مثل كبار السن والحوامل والمرضعات، والأطفال دون الخامسة من عمرهم، والأشخاص ذوي الإعاقة، إضافة إلى الأسر التي تفتقر إلى مصادر دخل، بما يضمن وصول الدعم إلى مستحقيه وتعزيز أثر المشروع في تحسين الأمن الغذائي داخل هذه التجمعات. ومع استمرار التحديات، تبدو فرص توسيع هذا النموذج الزراعي قائمة، خصوصاً في ظل نتائجه الأولية المشجعة، ما قد يفتح المجال أمام تعميمه في مخيمات ومناطق أخرى، وتحويله إلى أحد المسارات المستدامة لدعم صمود الأسر النازحة وتعزيز قدرتها على التكيّف مع الواقع المفروض. وفي 13 إبريل/نيسان الماضي، أصدرت جمعية التنمية الزراعية "الإغاثة الزراعية" ورقة مناصرة بعنوان "الموت جوعاً أو الإنتاج للبقاء: استعادة منظومة الغذاء المحلية في غزة من الإغاثة المسكنة إلى الإنتاج الطارئ"، ضمن حملة الوصول للأراضي الزراعية والمعدات والموارد الزراعية. وتسلّط الورقة الضوء على التحولات الخطيرة التي يشهدها قطاع غزة، إذ لم تعد الأزمة مقتصرة على نقص الغذاء، بل امتدت إلى تدمير القدرة على إنتاجه، في ظل التدهور الحاد في القطاع الزراعي والثروة الحيوانية والسمكية. وتعرض الورقة أرقاماً صادمة تعكس حجم الكارثة الإنسانية، وتداعياتها الصحية والبيئية.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية