تيغراي على حافة الانفجار... اتفاق بريتوريا يلفظ أنفاسه
عربي
منذ ساعة
مشاركة
بعد مرور نحو ثلاث سنوات ونصف السنة من توقيع اتفاق بريتوريا بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، والذي كان يفترض أن ينهي حرباً دموية في الإقليم، خلّفت ما لا يقل عن 300 ألف قتيل ونزوح أكثر من مليوني شخص، يبدو الاتفاق على وشك الانهيار، بعد أن أعلنت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، خلال الأيام الماضية، عزمها استعادة السيطرة على حكومة الإقليم وإعادة تفعيل برلمانه المنتخب. وفيما تتهم الجبهة أديس أبابا بخرق بنود الاتفاق، فإن ما يزيد المشهد تعقيداً أن القرار لم يلقَ إجماعاً داخلياً، إذ رفضته أحزاب معارضة رئيسية في الإقليم نفسه، معتبرةً إياه خطوة أحادية تفتقر إلى الشرعية وتُقوّض ما تبقى من أسس الاتفاق، ما يهدد بمزيد من الخلافات والانقسامات. وكان اتفاق بريتوريا للسلام وُقّع في نوفمبر 2022 بين الحكومة الإثيوبية والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، بقيادة دبرسيون ميكائيل، في جنوب أفريقيا، بهدف إنهاء الحرب، التي بدأت في نوفمبر 2020، في الإقليم. وينص الاتفاق على وقف القتال، ونزع سلاح قوات تيغراي تدريجياً، وعودة سلطة الحكومة الفيدرالية إلى الإقليم، وانسحاب القوات غير الفيدرالية، مع ضمان وصول المساعدات الإنسانية واستئناف الخدمات الأساسية، إضافة إلى حل الخلافات عبر الحوار السياسي لتحقيق الاستقرار، لتجاوز مرحلة الحرب في الإقليم التي وصفت بأنه من أكثر النزاعات دموية حديثًا، إذ قدر عدد القتلى بما بين 300 ألف وأكثر من 600 ألف شخص، وفق تقديرات مختلفة بينها تقدير للاتحاد الأفريقي، معظمهم نتيجة القتال أو الجوع وانهيار الخدمات. كما أدت الحرب إلى نزوح ما يزيد على مليوني شخص داخل إثيوبيا، إضافة إلى مئات الآلاف من اللاجئين الذين فرّوا إلى دول مجاورة. "الجبهة الشعبية" تريد السيطرة على تيغراي وأعلنت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، في بيان على فيسبوك الأحد الماضي، أنها بصدد استعادة السيطرة على حكومة الإقليم، في خطوة قد تعني عملياً تقويض اتفاق السلام الموقع مع الحكومة الإثيوبية، والذي أنهى حرباً استمرت عامين. واتهمت الجبهة الحكومة الفيدرالية بخرق اتفاق بريتوريا، مشيرة إلى أنها أججت نزاعاً داخلياً في تيغراي، وأوقفت التمويل المخصص لرواتب الموظفين، كما مددت ولاية رئيس الإدارة المؤقتة دون التشاور معها. وحذّر البيان من أن الحكومة "تستعجل اندلاع حرب دموية جديدة". ودعت قيادات محلية في الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، في اجتماع الأربعاء الماضي، إلى إعادة تفعيل البرلمان الإقليمي، معتبرة أن استمرار الإدارة المؤقتة لم يعد مبرراً في ظل ما وصفته بتفاقم التحديات التي تهدد الإقليم. وأكد بيان الجبهة، الذي نشر في حسابها على فيسبوك مساء الأربعاء الماضي، أن "حق تقرير المصير والحكم الذاتي كان من أبرز أهداف نضال شعب تيغراي، وأن هذا الحق تم تثبيته دستورياً بعد تضحيات كبيرة". وأشار إلى أن انتخابات سابقة في الإقليم عكست تمسك السكان بهذا المسار رغم الضغوط السياسية. عبد الشكور عبد الصمد: قرار الجبهة استجابة للضغوط من داخل الإقليم لاستعادة شرعيتها وتناول البيان اتفاق بريتوريا، موضحاً أن الجبهة التزمت بتنفيذ بنوده، في حين اتهم الحكومة الفيدرالية بعدم الوفاء بالتزاماتها، بما في ذلك عدم انسحاب القوات من بعض المناطق واستمرار ما وصفه بانتهاكات ضد المدنيين. كما أشار إلى أوضاع إنسانية صعبة، تشمل النزوح وعدم عودة السكان إلى مناطقهم، إضافة إلى اتهامات بحدوث تغييرات ديمغرافية وقيود اقتصادية وخدمية. وفي هذا السياق، اعتبرت القيادات أن العودة إلى المؤسسات المنتخبة، وعلى رأسها البرلمان الإقليمي، تمثل ضرورة "ملحة" لمواجهة التحديات الحالية. كما دعت إلى توحيد الجهود الداخلية، والاستمرار في البحث عن حلول عبر الحوار، مع التأكيد على التمسك بخيار السلام. واختُتم البيان بدعوة سكان تيغراي في الداخل والخارج، وكذلك القوى السياسية الداعمة، إلى مساندة ما وصفته بـ"النضال من أجل الحقوق". أحزاب المعارضة ترفض قرار الجبهة لكن أحزاب المعارضة الرئيسية في الإقليم رفضت قرار الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي إعادة تفعيل المجلس الإقليمي السابق، معتبرة الخطوة غير شرعية وقد تدفع نحو تصعيد جديد. وفي بيانين منفصلين في 21 إبريل/نيسان الحالي، انتقدت أحزاب "استقلال تيغراي"، و"سالساي"، و"ياني تيغراي"، هذا القرار، مؤكدين أنه تم دون توافق سياسي واسع ويخالف ترتيبات اتفاق بريتوريا للسلام الذي أنهى الحرب في 2022. وحذرت الأحزاب من أن هذه الخطوة قد تعمّق الأزمة السياسية الهشة في الإقليم وتزيد مخاطر الانزلاق مجدداً إلى الصراع. وفيما لم يصدر أي موقف رسمي من الحكومة الإثيوبية بشأن التطورات حتى مساء أمس، نقلت وكالة رويترز عن غيتاتشيو رضا، المتحدث السابق باسم جبهة تحرير تيغراي، مستشار رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد، قوله على منصة إكس يوم الأحد الماضي إن بيان الجبهة يشكّل "تنصّلاً واضحاً" من الهيكلية التي أُنشئت بعد الحرب بموجب اتفاق بريتوريا. ووفق متابعين، فإن إعلان الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي في هذه الفترة الحرجة التي تشهد في إثيوبيا صراعات بين قومياتها، يؤجج نزاعاً آخر تزداد مؤشراته بين الجيش الإثيوبي والجبهة، باعتبار أن هذا الإعلان قد يقوض بنود اتفاق بريتوريا، ويعكس أيضاً غياب الثقة بين الطرفين، وعدم فاعلية دور الوسطاء لإنهاء التوترات السياسية والأمنية في إقليم تيغراي منذ توقيع هذا الاتفاق. تدافع سياسي وفي هذا السياق، يقول الكاتب والمحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد، في حديث لـ"العربي الجديد"، إن قرار الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي يأتي في سياق التدافع السياسي بين الجبهة والحكومة الإثيوبية، واستجابة للضغوط التي تواجهها الجبهة من داخل الإقليم لاستعادة شرعيتها في منطقتها الجغرافية. ويضيف: كانت الجبهة تحاول من خلال اللجوء إلى سلاحها فرض السيطرة على الإقليم ووجهت سلاحها من ثلاثة محاور نحوه، بحثاً عن تموضع لها في النسق الاجتماعي الإثيوبي، كما أن هذا القرار من شأنه أن يثير الأزمات الداخلية في المنطقة، لا سيما في الإقليم الذي يشهد توترات سياسية بين مكوناته منذ حرب 2020. ويعتبر عبد الصمد أن هناك مساعي إقليمية لجر إثيوبيا إلى حرب جديدة داخلية، لكنه يستبعد تطور ملف تيغراي إلى نزاع عسكري جديد بين الحكومة الإثيوبية والجبهة في هذا التوقيت بالذات، مشيراً إلى أن الشارع الإثيوبي في إقليم تيغراي يرنو أكثر نحو خيار الاستقرار وليس جر المنطقة إلى حرب ضروس جديدة، رغم وجود أطراف إقليمية تريد اللعب على وتر الصراع وإشعال فتيله في شمال إثيوبيا، نظراً للتوازنات الهشة في هذه المنطقة. عباس محمد صالح: ما جرى في إقليم تيغراي يعكس الانهيار التام للثقة بين الأطراف من جهته، يقول الباحث والكاتب السوداني المقيم في أديس أبابا عباس محمد صالح، لـ"العربي الجديد"، إن ما جرى في إقليم تيغراي خطوة كانت متوقعة، تعكس الانهيار التام للثقة بين الأطراف، كما تعكس أيضاً مدى الانسداد الذي وصلت إليه عملية اتفاق بريتوريا، بالنسبة لفصيل دبرسيون ميكائيل الذي يرى أن خياراته تنفد أمام الحكومة الفيدرالية وأن الحرب لا مفر من وقوعها. كما تعكس التطورات انحسار مساحة الحوار والتفاوض لمصلحة سيناريوهات الحرب والصراع بين الطرفين. ويضيف: من الواضح أن الحكومة الفيدرالية في أديس أبابا لا ترغب في استمرار فصيل دبرسيون بصفة شريك في اتفاق بريتوريا، ولا حزب حاكم للإقليم، كما جاء في الوثيقة المسربة المنسوبة لحزب الازدهار الإثيوبي الحاكم، والتي خلصت إلى أن عودة الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي إلى الساحة مجدداً، وتحديداً فصيل دبرسيون، تشكل تهديداً محتملاً في البلاد. وبحسب عباس، فإن انهيار اتفاق بريتوريا يعني بدء العد التنازلي لعودة الصراع إلى تيغراي وربما دخول الإقليم برمته في حرب مدمرة، بالنظر إلى أن الطرفين يراهنان على تحقيق انتصار حاسم ونهائي، بمعنى أن هدف الحرب سيكون - إن وقعت - ليس حكم الإقليم (بالنسبة لفصيل دبرسيون) أو إخضاع الإقليم (بالنسبة للحكومة الفيدرالية) وإنما سيكون هذه المرة هو تصميم كل طرف للقضاء على الآخر، أو إجباره على تقديم تنازلات مؤلمة في حال ثبت أن الخيار الأول غير ممكن وصعب التحقيق لأسباب وعوامل مختلفة، أو باهظ الثمن لكلا الطرفين. ويحذر من أنه ما لم تتحقق معجزة سياسية بأن يتحرك فريق الوساطة المعني وضامني الاتفاق لاحتواء التصعيد الحالي، فإن تجدد النزاع لا يعني انهيار جهود السلام فحسب وإنما جر المنطقة برمتها إلى أتون هذا الصراع الخطير.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية