عربي
يُدخِل التصنيف الأميركي الأخير لعدد من الفصائل العراقية مسلحة حليفة لطهران، باعتبارها "منظمات إرهابية"، المشهد السياسي العراقي في جدل واسع منذ أيام، حيال ما إذا كانت العقوبات المترتبة على هذا التصنيف، ستشمل أيضاً الأجنحة السياسية لتلك الفصائل، والتي حصلت على مقاعد وازنة في البرلمان ضمن ائتلاف "الإطار التنسيقي" الحاكم، بعد انتخابات نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي.
ويستند الجدل السياسي في العراق إلى بيان وزارة الخارجية الأميركية، الجمعة الماضي، التي أعلنت فيه عن حظر الحكومات والشركات والأفراد التعامل مع سبع قيادات بارزة في "كتائب حزب الله" و"عصائب أهل الحق" و"سيد الشهداء" و"النجباء"، التي وضعتها ضمن تصنيف الإرهاب، بموجب الأمر التنفيذي 13224 (2001 في إطار مكافحة الإرهاب والحدّ من تمويله)، واتهمتها بأنها متورطة في التخطيط وتنفيذ هجمات استهدفت أفراداً ومنشآت ومصالح أميركية في العراق. جاء ذلك بالتزامن مع تأكيدات لاثنين من المسؤولين العراقيين في بغداد، لـ"العربي الجديد"، بوصول رسائل أميركية مسبقة تحذر من تضمين الحكومة المقبلة أي تمثيل لتلك الفصائل، خصوصاً المؤسسات الأمنية والعسكرية، فيما لم يصدر أي تعليق أميركي أو عراقي رسمي، حول ما إذا كانت العقوبات تشمل الأجنحة السياسية لهذه الفصائل العراقية المسلحة أم فقط الهيكل العسكري لها.
كما أعقب التصنيف ما نقلت صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية، الثلاثاء، عن مسؤولين عراقيين وأميركيين، أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، علّقت شحنات الدولار الأميركي إلى العراق المتعلقة بعائدات مبيعات النفط العراقي والتي توضع في حسابات بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي منذ 2003، كما جمدت برامج التعاون الأمني مع الجيش العراقي، في تصعيد الضغط على بغداد لتفكيك المليشيات المدعومة من إيران. لكن المستشار المالي للحكومة العراقية، مظهر محمد صالح، أوضح لـ"العربي الجديد"، الأربعاء، أن إيقاف شحن مبالغ الدولار من الولايات المتحدة إلى العراق، هو "توقف مؤقت"، عازياً ذلك إلى تأثر العراق بالحرب وإغلاق الأجواء وإلغاء رحلات الطيران.
أكبر كتلة في البرلمان
ومن أصل نحو 170 نائباً لـ"الإطار التنسيقي"، المظلة السياسية الجامعة للقوى العربية الشيعية في العراق داخل البرلمان، والتي تعد الكتلة النيابية الأكبر التي يحق لها تشكيل الحكومة العراقية المقبلة بنسختها التاسعة منذ الغزو الأميركي للبلاد، فإن هناك ما لا يقل عن 50 نائباً يتبعون أجنحة سياسية لفصائل مسلحة أدرجتها واشنطن على لائحة "المنظمات الإرهابية"، المعروفة بـ"منظمة إرهابية أجنبية" (FTO)، والتي تحظر واشنطن على الحكومات والأفراد والشركات التعامل معها. هذه المنظمات هي كل من "عصائب أهل الحق"، بزعامة قيس الخزعلي وتمتلك 28 نائباً، و"كتائب حزب الله"، بزعامة أحمد الحميداوي ولها ستة نواب، و"كتائب الإمام علي" بواقع سبعة نواب، و"كتائب سيد الشهداء" الحاصلة على خمسة مقاعد، و"سرايا عاشوراء" بواقع أربعة نواب، و"أنصار الله الأوفياء" بواقع مقعد واحد. بالإضافة إلى نواب آخرين ينتمون لذات الفصائل العراقية لكنهم دخلوا منفردين في قوائم أخرى، أبرزها تحالف "الأساس" بزعامة محسن المندلاوي، و"دولة القانون" بزعامة نوري المالكي.
وهناك أجنحة سياسية لفصائل أخرى تمتلك تمثيلاً مهماً داخل "الإطار التنسيقي"، وضعت واشنطن بعض قادتها على قائمة عقوبات وزارة الخزانة الأميركية، وأبرزها منظمة "بدر"، بزعامة هادي العامري، ولها 18 مقعداً، و"عطاء" بزعامة رئيس "الحشد الشعبي" فالح الفياض بواقع 10 نواب، و"بابليون" بزعامة ريان الكلداني بنائبين، و"حشد الشبك" بنائب واحد، فيما بقيت جماعة "جند الإمام" بزعامة أحمد الأسدي ولها أربعة نواب، حتى الآن، خارج أي تصنيف بـ"الإرهاب". وعلى نحو تصاعدي بدأت الإجراءات الأميركية ضد الفصائل العراقية المسلحة، منذ يناير/كانون الثاني 2020، بعد أن أصدرت حزمة قرارات بتصنيف فصائل وقيادات على لائحة الإرهاب، أبرزها "عصائب أهل الحق"، تلتها حزمة إجراءات مماثلة طاولت "كتائب سيد الشهداء" و"النجباء" و"الأوفياء" و"البدلاء" و"الإمام علي"، فيما تعتبر "كتائب حزب الله" من أقدم من تم تصنيفهم بالإرهاب أميركياً منذ عام 2009، بوصفها "كياناً إرهابياً". كما تم شمول 34 قيادياً وعضواً بارزاً في الجماعات المسلحة المحسوبة على إيران بالعقوبات الأميركية، خلال الفترة ذاتها.
ضغط أميركي لتفكيك الفصائل العراقية
في هذا السياق قال دبلوماسي بوزارة الخارجية العراقية ببغداد، ويحمل رتبة سفير، لـ"العربي الجديد"، إن رسائل أميركية وصلت لوزير الخارجية العراقي فؤاد حسين قبل مدة، "تؤكد رفض التعامل مع أي رئيس حكومة ترشحه الفصائل العراقية المسلحة، أو يكون منها، وهذا الأمر يشمل الحقائب الوزارية أيضاً" في الحكومة المقبلة.
واشنطن تعتبر دخول الفصائل للانتخابات محاولة إضفاء شرعية عليها وتعزيز نفوذها وتنويع مصادر دخلها
المسؤول العراقي، الذي طلب عدم الكشف عن هويته كونه غير مخول بالتصريح، أكد أن الرسائل ذاتها وصلت إلى "الإطار التنسيقي"، من خلال رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني الذي أجرى عدة لقاءات مع المبعوث الأميركي توم برّاك في يناير وفبراير/ شباط الماضيين. وأوضح أن واشنطن تعتبر دخول الفصائل العراقية للانتخابات، "محاولة إضفاء شرعية (عليها) وتعزيز نفوذها وتنويع مصادر دخلها". من جهته أشار مسؤول آخر بحديث مقتضب لـ"العربي الجديد"، إلى وجود خشية في بغداد من تعاطي واشنطن مع الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة التي دخلت البرلمان بنفس التصنيف الذي وضعت فيه أجنحتها العسكرية. وتحدث عن "عقوبات اقتصادية ومالية" لوّحت بها واشنطن على العراق، في حال أصرت القوى السياسية على عدم التجاوب مع الضغوط الأميركية.
وعقب ظهور نتائج الانتخابات البرلمانية التي أجريت في نوفمبر الماضي، علق وزير الخارجية العراقي بالقول، إنه "ليس من المناسب أن يكون لجماعة مسلحة مقاعد برلمانية"، مشدداً حينها على أنه "لا ينبغي أن تكون هناك دولة داخل دولة في العراق. العراقيون تعبوا من كل هذه الحروب ويطالبون بالاستقرار". ويتألف "الإطار التنسيقي"، من مجموعة القوى والأحزاب العربية الشيعية في العراق، باستثناء التيار الصدري (التيار الوطني الشيعي) بزعامة مقتدى الصدر، وهم كل من ائتلاف "دولة القانون" ومنظمة "بدر" و"صادقون"، وتيار "الحكمة"، بزعامة عمار الحكيم، وائتلاف "النصر" بقيادة حيدر العبادي، "والإعمار والتنمية" بزعامة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، و"سند"، حزب "الفضيلة" بزعامة عبد الحسين الموسوي، و"العقد، والمجلس الأعلى بزعامة همام حمودي، و"حقوق" بزعامة حسين مؤنس القيادي في "كتائب حزب الله"، و"خدمات" بزعامة شبل الزيدي، "والأساس". وتمتلك غالبية مكونات هذا التحالف أذرعاً مسلحة تحت عناوين مختلفة وتنضوي تحت مظلة "الحشد الشعبي".
وفي سبتمبر/ أيلول 2023، قال وزير العمل العراقي الحالي، وقائد فصيل "جند الإمام" أحمد الأسدي، إن مهمة الحشد الشعبي اليوم هي حماية النظام السياسي العراقي، موضحاً في مقابلة متلفزة أن "العراق في 2023 ليس نفسه في 2003، وأن مهمة الحشد الشعبي بعد تحرير المدن هي الحفاظ على النظام السياسي". وعلّق على وجود ضغوط أميركية بشأن حل "الحشد الشعبي"، بالقول إن "الأحلام ليست ممنوعة"، ما أثار موجة من الجدل السياسي حول استخدام فصائل "الحشد الشعبي"، لغايات سياسية لا أمنية.
مهند سلوم: الخطوة الثانية إذا لم تتوقف أنشطة الفصيل المسلحة هي الذهاب إلى شمول الواجهة السياسية لهذا الفصيل
في هذا الصدد اعتبر أستاذ الدراسات الأمنية في معهد الدوحة للدراسات العليا، مهند سلوم، أن هناك عدة نقاط أساسية في الملف المتعلق بإمكانية تصنيف أجنحة الفصائل العراقية السياسية أيضاً، مبيناً لـ"العربي الجديد"، أن "النقطة الأولى هي: هل هذه الجهات السياسية دخلت الانتخابات تحت مسميات هذه المنظمات أو الفصائل؟ وهل نواب البرلمان الفائزون أعضاء بشكل رسمي في هذه التنظيمات الموضوعة على لوائح الإرهاب، إذا كان الجواب نعم فبالتأكيد تشملهم". أما إذا كان الجواب لا، وفق سلوم، فإن "هذه المنطقة الرمادية تتحرك بها الولايات المتحدة مع العراق للتصعيد أو الخفض (الإجراءات)، بمعنى أن الخطوة الأولى هي وضع الجناح المسلح على لائحة الإرهاب، والخطوة الثانية إذا لم تتوقف أنشطته المسلحة المعادية، فممكن الذهاب إلى شمول الواجهة السياسية لهذا الفصيل أيضاً".
وأضاف أن "الولايات المتحدة تملك الوقت حالياً على عكس العراق، لكن بالمجمل لا يتوقع أن تتراجع واشنطن عن إجراءاتها التصعيدية ضد هذه الفصائل، إلا بتنازلات كبيرة من هذه الفصائل، أو تفكيكها أساساً". ورأى أن "ورقة الضغط الحالية هي إبعاد الفصائل عن العمل الحكومي"، مضيفاً أن "الأميركيين واضحون في هذا الشأن مع الجانب العراقي حسب ما يظهر من التصريحات والمواقف الرسمية المعلنة من المسؤولين الأميركيين". والاثنين الماضي، جددت السفارة الأميركية في بغداد، في بيان، اتهامها لمن سمتها بـ"المليشيات الإرهابية العراقية المتحالفة مع إيران التخطيط لهجمات إضافية ضد مواطنين أميركيين وأهداف مرتبطة بالولايات المتحدة في جميع أنحاء العراق". غير أن الإشارة الأهم هي ما ذكره البيان ذاته بالقول إنه "لا تزال بعض الجهات المرتبطة بالحكومة العراقية توفّر بشكلٍ فعّال غطاءً سياسياً ومالياً وعملياتياً لهذه المليشيات الإرهابية". كما طالب البيان المواطنين الأميركيين بالمغادرة جواً بعد فتح العراق المجال الجوي عبر مطار بغداد الدولي، والتحذير أيضاً بعبارة "لا تسافروا إلى العراق لأي سبب. غادروا فوراً إذا كنتم هناك".

أخبار ذات صلة.
أسطورة التفاهم
العربي الجديد
منذ 44 دقيقة