مسعد بولس وتنظيم الانقسام الليبي
عربي
منذ ساعة
مشاركة
كان من السهل على واشنطن، منذ سنوات، أن تدرك أن الأزمة الليبية لم تعد قابلة للحسم بالمعنى التقليدي للدولة الواحدة والسلطة الواحدة، لذلك لا يبدو أن مشروعها الحالي الذي يقوده مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مسعد بولس، ينطلق من فكرة إنهاء الانقسام بقدر ما يقوم على إعادة تنظيمه، ونقل البلاد من فوضى التنازع المفتوح إلى صيغة أكثر انضباطاً وقابلية للإدارة. بعد مرور أشهر على قيادة بولس للملف الليبي، صار واضحاً أن الإدارة الأميركية تنطلق من حاجات آنية لترتيب المصالح وتأمين النفوذ ضمن مناخ إقليمي شديد الاضطراب، وليس رؤية تقوم على أن ليبيا تتوفر على أفق يمكن أن يقود لتسوية سياسية. في هذا السياق، يصبح من المشروع التساؤل عما يعنيه فعلاً الاتفاق الذي وُقع في العاشر من إبريل/نيسان الحالي بين سلطتي، حكومة الوحدة الوطنية بطرابلس وقيادة خليفة حفتر ببنغازي، تحت عنوان "الإنفاق التنموي الموحد". ولو كان الهدف هو توحيد السلطة السياسية بالفعل، لكان المنطقي أن يجري الإنفاق بميزانية مركزية واحدة باعتبار توحيد أدوات السلطة، إلا أن ما جرى عملياً هو العكس تماماً، إذ تم تثبيت واقع الاقتسام القائم ومنحه غطاءً سياسياً جديداً، فالميزانية التي وُصفت بالموحدة ستُدار من طرفي الانقسام نفسيهما، بما يعني أن واشنطن لا تعالج أصل الأزمة، بل تسعى إلى تنظيم الانقسام وإضفاء قدر من الشرعية الدولية عليها. والأمر ذاته ينسحب على التمرين العسكري الذي جرى في سرت، الأسبوع الماضي، تحت إشراف "أفريكوم" من قوام قوتين تابعتين لسلطتي طرابلس وبنغازي، باعتباره خطوة على طريق توحيد المؤسسة العسكرية، بينما الأمر في عمقه يكشف عن مقاربة مختلفة تماماً، فتوحيد السلطة يفترض بالضرورة، هنا أيضاً، توحيد أدوات القوة التابعة لها، لا جمع قوتين منفصلتين داخل مناورة مؤقتة، تبقي لكل طرف بنيته العسكرية الخاصة وولاءاته ومجاله الجغرافي، فما دام الشرق والغرب يحتفظان بقواتهما، فإن الحديث عن إعادة بناء جيش موحد يبقى أقرب إلى التعبير الدعائي منه إلى المشروع السياسي الحقيقي. صحيح أن الخطوة التالية، وهي بناء سلطة موحدة من سلطتي طرابلس وبنغازي، لم يعلن عنها رسمياً، لكن المعلومات والتسريبات والمواقف الليبية المعارضة في ظل صمت بولس، تدل على أنها الخطوة التالية، وعليه فهذه المقاربة الأميركية يبدو هدفها إدارة الانقسام وتنظيم التوازنات وليس تفكيكها. أما الغاية الأبعد من ذلك، فتتصل بحسابات تتجاوز الداخل الليبي نفسه، من ضمان حضور أميركي أوسع في قطاع النفط والطاقة وسط القلق المتزايد في الخليج، إلى الحد من التمدد الروسي نحو أفريقيا عبر البوابة الليبية، فيما لا يحتل استقرار ليبيا حتى الآن موقعاً حقيقياً في سلم الأولويات الأميركية.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية