عربي
وقّع الأردن قبل نحو أسبوع في أبوظبي على اتفاقيات تنفيذ أضخم مشروع نقل سككي في تاريخ المملكة بكلفة تصل إلى 2.3 مليار دولار، وفي اليوم التالي لذلك التوقيع أعلن رئيس الوزراء الأردني جعفر حسان أن الإغلاق المالي لمشروع الناقل الوطني للمياه بات قريبا جدا بكلفة تصل إلى 6 مليارات دولار، لينطلق بذلك مشروعان عملاقان يُعتبران الأكبر في تاريخ المملكة التي عانت على الدوام من مشاكل هيكلية في الاقتصاد، ودائما ما تتأثر سلبا بالأحداث الإقليمية، إذ إن القطاع الأهم فيها وهو السياحة حساس جدا للأحداث، وما إن يلتقط أنفاسه ويكتسب بعضا من الزخم حتى تبدأ دوامة عنف جديدة في المنطقة تعيده إلى نقطة البداية.
ومن الواضح أن الحكومة الحالية تستهدف إطلاق عدد من المشاريع الكبيرة والتي تصنف في الأردن بالمشاريع العملاقة-التحويلية- قياسا إلى حجم الاقتصاد الوطني أو حجم المشاريع التي تنفذ في العادة، فالاقتصاد الأردني تهيمن عليه المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، في حين تتراجع أهمية المؤسسات الكبيرة والتي يمكن أن تشكل الرافعة لإحداث التحولات الاقتصادية المرغوبة، وهنا يبرز التساؤل حول جدوى تلك المشاريع وقدرتها على معالجة التحديات الأساسية التي تواجه الاقتصاد وفي مقدمتها تواضع مستويات النمو الاقتصادي والتي لا تتجاوز 3% سنويا، وما ينجم عن تواضع مستويات النمو من ارتفاع معدلات البطالة لا سيما في أوساط الشباب والفتيات خريجي الجامعات، كذلك ينوء الاقتصاد تحت ظل مديونية مرتفعة تتجاوز ما نسبته 90% من الناتج المحلي الإجمالي.
في ظل هذه التحديات يضيق الحيز المالي الذي تتيحه ميزانية الدولة من خلال الإنفاق العام على المشاريع الرأسمالية، ومع التردد الكبير من القطاع الخاص فإن معدلات النمو ستبقى متواضعة جدا، ولن يتمكن الزخم الطبيعي من كسر حلقة باتت شبه مغلقة أمام الشباب، ففرص العمل الجديدة لا تواكب أعداد الخريجين الجدد، ولا يوجد محركات حقيقية لتحفيز مستويات النمو من خلال الأدوات التقليدية والاعتيادية.
يضاف إلى ذلك أن الأردن من ضمن أفقر دول العالم مائياً، إذ لا تتجاوز حصة الفرد السنوية من المياه المتجددة حدود 90 متراً مكعباً، في حين يبلغ خط الندرة المائي العالمي 500 متر مكعب للفرد، وباتت هذه الندرة تُلقي بظلالها الثقيلة على القطاع الزراعي والصناعي والاستثماري على حدٍّ سواء، فيما تتصاعد الضغوط السكانية مع استمرار موجات اللجوء.
وعمليا لا يزال الاقتصاد الأردني يعتمد اعتماداً كبيراً على تحويلات العاملين في دول الخليج والمساعدات الخارجية وعائدات السياحة، أما قطاع الصناعة التحويلية والاقتصاد المعرفي فلم يبلغا بعد المستوى المأمول الذي يُؤهّلهما لقيادة نمو ذاتي ومستدام رغم التطور الكبير الذي شهدته هذه القطاعات لكنها غير كافية لعلاج التحديات الكبيرة المتوارثة عبر عقود من الزمن.
أمام هذا الواقع الصعب يمكن فهم الاستراتيجية الحكومية التي تسعى إلى تحفيز النمو من خلال توفير إطار مالي وتشريعي يضمن تنفيذ مشاريع كبرى وحيوية ستساعد على حل تحديات استراتيجية على حد تعبير وزير الاقتصاد مهند شحادة، فعلى سبيل المثال يقوم مشروع الناقل الوطني للمياه على نقل المياه المُحلّاة من خليج العقبة عبر خط أنابيب يمتد نحو 300 كيلومتر نحو العاصمة عمّان وسائر المناطق الوسطى والشمالية.
ويمتد أثر هذا المشروع ليطاول البنية الاجتماعية والاستثمارية برمّتها. فيما يستهدف مشروع السكك الحديدية ربط مصانع الفوسفات والبوتاس بميناء العقبة، وقد يشكل لاحقا جزءا من شبكة إقليمية للوجستيات، ومن شأن المشروع تخفيض كلف النقل وتعزيز تنافسية القطاعات المستهدفة.
ومن الواضح أنه ومن دون تدخّل الحكومة في هذا النوع من المشاريع فإنها لن ترى النور، فهذه المشاريع تم الحديث سابقا عنها لسنوات طويلة وتضاعفت كلفها بسبب التردد الكبير الذي صاحبها وعدم استعداد الحكومات المتعاقبة لتوفير الضمانات اللازمة للمضي قدما في التنفيذ.
ومن المعلوم أن مشاريع البنية التحتية ذات الطابع الكبير قادرة على توليد العديد من فرص العمل المباشرة وغير المباشرة؛ ففي مرحلة الإنشاء يتوسع الطلب على الكفاءات الهندسية والفنية والعمالة الماهرة، فيما تنشأ في مرحلة التشغيل احتياجات تشغيلية ولوجستية متواصلة تولد فرص عمل مستقرة.
كذلك تعتبر الاستثمارات في البنية التحتية إشارة قوية إلى منعة الاقتصاد وقدرته على الاستمرار رغم الظروف الصعبة، ووفقا للكثير من الدراسات هناك علاقة إيجابية بين الاستثمار في البنية التحتية وتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، وهو ما يعني وجود فرصة لعكس اتجاه ضعف جذب الاستثمارات التي عانى منها الأردن على مدى السنوات السابقة.
ورغم أن هذا النوع من المشاريع يستلزم تمويلات إضافية وربما التوسع في الاقتراض من المؤسسات المحلية والدولية، فإن العائدات المتوقعة من رسوم الخدمات، وزيادة الإيرادات الضريبية الناجمة عن النشاط الاقتصادي المتصاعد وخفض فاتورة الاستيراد تُرجّح أن يكون الأثر الصافي إيجابياً على خزينة الدولة في المديين المتوسط والبعيد.
وليست هذه المشاريع الكبيرة الوحيدة؛ فهناك مشروع مدينة عمره، وهناك مشاريع توليد قطاع الطاقة والتي تقدر كلفتها بالمليارات من الدولارات أيضا بما ينسجم مع النهج الجديد خلافا لنهج ساد لسنوات روج لحصر دور الدولة ضمن الاطار الرقابي والتنظيمي بتشجيع من المؤسسات الدولية والمانحين، اليوم تدخل الحكومة ساحة الاستثمار وتترك المساحة الكافية للقطاع الخاص لكي يضخ موارد في قطاعات البنية التحتية اللازمة في وقت لا تمتلك الحكومة ترف التأخير أو الموارد المالية الذاتية الكافية لتحفيز النمو املا بتجاوز التحديات الهيكلية التي رافقت أداء الاقتصاد الأردني. فهل ستمكن المشاريع الكبرى من خلق ديناميكية جديدة أن تقع في فخ ضعف التنفيذ والتأخير؟

أخبار ذات صلة.
المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية
الشرق الأوسط
منذ 25 دقيقة