عربي
تتصاعد في مدينة الموصل، مركز محافظة نينوى شمالي العراق، خلال الأيام الأخيرة، مخاوف من عودة أنماط الابتزاز الأمني بواجهات جديدة، وذلك عقب شكاوى متزايدة من تجار وأصحاب محال عن إجبارهم على توقيع "عقود حماية" مع شركات أمنية غير رسمية قدمت من خارج المحافظة، في مشهد يعكس حالة من الفوضى ومخاوف من الاستغلال المالي خارج الأطر القانونية.
ووفق إفادات تجار محليين، انتشرت مجموعات مسلحة تابعة لشركات أمنية غير رسمية في عدد من أسواق المدينة خلال الأيام الماضية، لجباية الأموال قسراً وإجبار أصحاب المحال على توقيع عقود حماية معها. وفي محاولة لاحتواء الموقف، عقد عدد من تجار المدينة اجتماعاً مع قائممقام الموصل، هشام الهاشمي، عرضوا خلاله تفاصيل ما يجري، مطالبين بمنع تلك الشركات من دخول الأسواق، وتوفير بدائل محلية للحماية من خلال تنظيم حراس ليليين من أبناء المحافظة حصراً، مؤكدين رفضهم لأي تعاقد قسري يُفرض تحت تهديد السلاح.
من جهته، أعلن قائممقام الموصل إيقاف عمل ثلاث شركات أمنية على خلفية اتهامات بجباية الأموال من أصحاب المحال التجارية. وقال الهاشمي، في إيجاز صحافي مساء الثلاثاء، إن القرار جاء عقب اجتماع طارئ بتوجيه من محافظ نينوى وبحضور قادة أمنيين، جرى خلاله إبلاغ الشركات المعنية بضرورة إيقاف جباية الأموال فورًا.
وأوضح أن شكاوى وردت من أصحاب محال، بينها محال صاغة ومعارض، تفيد بقيام تلك الشركات بفرض مبالغ تراوح بين خمسة آلاف وسبعين ألف دينار، وقد تزيد في بعض الحالات، عبر التعاقد القسري. وأضاف أن بعض الجهات، وفق الشكاوى، استعانت بأشخاص مسلحين من خارج المحافظة لإجبار أصحاب المحال على الدفع.
وأشار إلى أن مهام الشركات الأمنية تقتصر على حماية المولات والمستشفيات الأهلية والمشاريع الاستثمارية، ولا تشمل جباية الأموال تحت عنوان الحراسة الليلية، مؤكداً أنه تم إيقاف عمل هذه الشركات في هذا الجانب واتخاذ الإجراءات اللازمة بحقها لمنع استغلال المواطنين أو فرض مبالغ خارج الأطر القانونية.
في المقابل، أكد مسؤول محلي، فضّل عدم ذكر اسمه، لـ"العربي الجديد"، أن المشكلة أعمق من مجرد تجاوز قانوني، مشيراً إلى أن بعض هذه الشركات ترتبط بفصائل مسلحة تسعى إلى ابتكار قنوات جديدة للتمويل عبر فرض الإتاوات على التجار. وحذر من أن غياب التعامل الحازم مع هذه الجهات قد يشجع أطرافاً أخرى على تكرار هذه الممارسات، بما يهدد بخلق بيئة ابتزاز ممنهجة داخل المدينة.
بدوره، قال همام الحمداني، وهو صاحب محل تجاري في المدينة، لـ"العربي الجديد"، إن تلك المجموعات طالبت أصحاب المحال بالتوقيع على عقود حماية مقابل دفع مبالغ مالية شهرية، موضحاً أن بعض الجهات أجبرت التجار على دفع مبالغ تراوح بين 50 و100 ألف دينار بحجة توفير الحماية. وأضاف: "قيل لنا إن الدفع وتوقيع العقود سيضمن عدم التعرض لنا، ما وضعنا أمام خيار صعب بين القبول أو المخاطرة بالرفض"، مؤكداً أن التجار لا يحتاجون إلى هذه الشركات، خاصة أنها غير مرخصة رسمياً، مطالباً الحكومة المحلية باتخاذ موقف حازم لوقف هذه الممارسات.
وتعيد هذه التطورات تسليط الضوء على تعقيدات المشهد الأمني في الموصل، التي ما تزال تتعافى من تداعيات سيطرة تنظيم "داعش" عليها صيف عام 2014، قبل استعادتها بعد معارك مدمرة. وعلى الرغم من تحسن الوضع الأمني نسبياً في السنوات الأخيرة، لا تزال بعض الفصائل المسلحة، أو ما يُعرف بـ"المكاتب الاقتصادية" التابعة لها، تمثل تهديداً أمام ترسيخ الاستقرار. ويخشى الأهالي من أن تتحول هذه الممارسات إلى نمط دائم من الجباية غير الرسمية، في ظل الضغوط الاقتصادية التي تعانيها شرائح واسعة من السكان، واعتماد الكثيرين على الأنشطة التجارية الصغيرة مصدراً رئيسياً للدخل.
