توقف المفاوضات الروسية الأوكرانية: كييف تخشى تراجع فرص الصمود
عربي
منذ ساعة
مشاركة
في حين تتواصل المعارك بين روسيا وأوكرانيا، ويتبادل الطرفان ضربات موجعة على البنى التحتية، انشغل الوسيط الأميركي بإطفاء حرب أخرى أشعلها مع حليفه الإسرائيلي في الشرق الأوسط، ما انعكس جموداً في المفاوضات الروسية الأوكرانية من دون أن يمنع ذلك انخراطا في اتصالات، لا سيما مع الجانب الروسي، بما في ذلك الزيارة التي أجراها كيريل دميترييف المبعوث الخاص للرئيس الروسي فلاديمير بوتين لشؤون ​الاستثمار إلى الولايات المتحدة قبل أقل من أسبوعين. بدورها، أفادت وكالة رويترز في التاسع من إبريل/نيسان الحالي، نقلاً عن مصادر مطلعة على الزيارة، بأن دميترييف موجود في الولايات ​المتحدة، ويجتمع مع أعضاء في إدارة الرئيس الأميركي ⁠دونالد ترامب، لإجراء محادثات حول اتفاق سلام ​والتعاون الاقتصادي بين الولايات المتحدة وروسيا. غير أن المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف، حرص في اليوم التالي على التأكيد أن "كيريل دميترييف لا يتفاوض بشأن تسوية في أوكرانيا، وهذا (زيارته إلى أميركا) لا ​يمثل استئنافاً للمفاوضات"، مشيراً إلى أن "روسيا تريد اتفاق سلام ​حقيقياً ⁠بدلاً من مجرد وقف لإطلاق النار". رهانات المفاوضات الروسية الأوكرانية بعيداً عن تراجع الاهتمام الأميركي بمفاوضات السلام في أوكرانيا، فإن توقعات موسكو وكييف ورهاناتهما تصعب إمكانية التوصل إلى تفاهمات حتى في حال استئناف المفاوضات الروسية الأوكرانية المتوقفة منذ منتصف فبراير/ شباط الماضي. وفي حين أبدت أوكرانيا مرونة أكثر للتوصل إلى حل رغم نجاحها في صد الهجمات الروسية، من الواضح أنها تخشى من تراجع قدرتها على الصمود في ظل غياب الدعم الأميركي وعدم قدرة أوروبا على تزويدها بحاجاتها من الأسلحة، إضافة إلى عدم قدرتها على مجاراة روسيا في موضوع تعويض الخسائر على مستوى الأفراد مقارنة بروسيا لأسباب ديمغرافية. كما تزداد الخشية من مواصلة ترامب ضغوطه على أوكرانيا للقبول بالشروط الروسية في حال نجاح موسكو بتقديم "صفقات اقتصادية" مناسبة لطريقة تفاوض ترامب ومستشاريه. يرغب بوتين في صنع "نخبة جديدة" عمادها المشاركون في الحرب مع اقتراب الانتخابات البرلمانية في روسيا الخريف المقبل وتقلل حالة الاستعصاء على الأرض، وعدم قدرة روسيا على فرض تغييرات جذرية على الميدان، من حظوظ الكرملين في فرض اتفاق بطعم "الاستسلام" على أوكرانيا. ورغم تأكيد المسؤولين الروس انفتاح موسكو على مفاوضات لتسوية سلمية، فإن الشروط القاسية والإشارة إلى أن هذه الأهداف يجب أن تتحقق سواء على طاولة التفاوض أو في الميدان، تعطل إمكانية استئناف المفاوضات المتوقفة منذ منتصف شهر فبراير الماضي. ورغم التعنت الروسي، فإن الكرملين يقف أمام استحقاقات صعبة تفرضها الأوضاع الداخلية والدولية تصعب عليه اتخاذ قرار بشأن الحرب؛ ومع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية في روسيا الخريف المقبل، ورغبة بوتين في صنع "نخبة جديدة" عمادها المشاركون في الحرب، مع ضمان فوز كاسح للحزب الحاكم "روسيا الموحدة"، تزداد الرهانات على تصعيد العمليات العسكرية لتحقيق إنجازات يقدمها بوتين للروس، قبل احتفالات ذكرى النصر على النازية، في التاسع من مايو/ أيار المقبل. وتأمل موسكو انتهاز فرصة انشغال الإدارة الأميركية في الحرب مع إيران للإسراع في فرض وقائع على الأرض في أوكرانيا، مستغلة عدم قدرة الغرب على تقديم صواريخ اعتراضية لأوكرانيا بسبب الاستخدام الكثيف لها لصد الضربات الإيرانية لإسرائيل وبلدان الخليج العربية. وعلى خلفية الفشل في تحقيق اختراقات كبيرة على الأرض، والمخاوف من أن نافذة الفرص قد تغلق حتى الخريف المقبل في حال خسارة الجمهوريين الانتخابات النصفية في الكونغرس وإجبار ترامب على تغيير سياساته نحو أوكرانيا، أو حتى المطالبة بعزل ترامب أو وزير حربه بيت هيغسيت، يطلق المسؤولون الروس تصريحات تؤكد الرغبة في استئناف المفاوضات الروسية الأوكرانية قريباً. وأبقى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الباب موارباً أمام استئناف المفاوضات الروسية الأوكرانية عبر قوله السبت الماضي، أثناء منتدى أنطاليا في تركيا، إنه "في هذه المرحلة، لا تعد مسألة استئناف المفاوضات على رأس أولوياتنا. لم نفرض المفاوضات الروسية الأوكرانية على أي طرف. لطالما عملنا وفق مبدأ أنه إذا كان شريكنا مستعداً، فنحن مستعدون". ورداً على سؤال حول آفاق استئناف محادثات السلام في إسطنبول وفعالية دور أنقرة وسيطا، أجاب: "ننظر بإيجابية إلى إمكانية استئناف المفاوضات الروسية الأوكرانية في إسطنبول". وبدا أن الجانبين الروسي والأوكراني، كل لأسبابه، منفتحان على مفاوضات برعاية تركية لتحقيق تقدم في بعض القضايا بسبب انشغال واشنطن بحرب إيران. وتأمل كييف أن تسهم زيارة محتملة من ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في إنعاش المفاوضات الروسية الأوكرانية رغم أن مواعيد زيارتهما غير مؤكدة. وصرح مسؤول أميركي مطلع لصحيفة "كييف إندبندينت" الأوكرانية، الأربعاء الماضي، بأن واشنطن تُناقش إمكانية زيارة المبعوثين إلى أوكرانيا. وكان كيريلو بودانوف، مدير مكتب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أعلن في الرابع من إبريل الحالي، عن زيارة متوقعة لويتكوف وكوشنر صهر ترامب، لكن الزيارة لم تتم. وفي 14 إبريل الحالي، قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لمحطة "زي دي أف" التلفزيونية العامة في ألمانيا، إن مفاوضي السلام الأميركيين "ليس لديهم وقت لأوكرانيا" بسبب الحرب في إيران، وأعرب عن أسفه لتعطيل عمليات تسليم الأسلحة الأميركية. ومع إشارته إلى أن المبعوثين يحاولان "لفت انتباه بوتين بشكل أكبر لإنهاء الحرب"، شدد زيلينسكي على أنه "إذا لم تمارس الولايات المتحدة ضغوطاً على بوتين... وانخرطت فقط في حوار هادئ مع الروس، فلن يخشوا شيئاً". واتهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مبعوثي الولايات المتحدة ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر بإظهار نقص في الاحترام تجاه أوكرانيا. وقال زيلينسكي، مساء الاثنين، في مقابلة مع برنامج إخباري حكومي: "من قلة الاحترام السفر إلى موسكو وعدم القدوم إلى كييف". وتواصل كييف الدعوة إلى عقد قمة تجمع بوتين وزيلينسكي، وقال وزير الخارجية الأوكراني، أندريه سيبيغا، الأحد الماضي، إن تركيا قادرة على تحقيق "إنجازات دبلوماسية فريدة وغير مسبوقة". وأضاف: "دعونا تركيا للنظر في إمكانية تنظيم اجتماع على مستوى الرئيسين زيلينسكي وبوتين، بمشاركة محتملة من الرئيسين التركي رجب طيب أردوغان والأميركي دونالد ترامب". وأشار سيبيغا إلى أن كييف لديها "مقترحات فعّالة"، وأنهم يأملون في أن تلعب تركيا دوراً هاماً، حيث قال إنها "قادرة على المساهمة في تسريع عملية السلام". ومعلوم أن موسكو رفضت عقد لقاء على مستوى زعيمي البلدين، وربطته بالتوصل إلى حل جميع القضايا العالقة أولاً على مستويات أدنى. وقال المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، الأسبوع الماضي، إن روسيا تسعى جاهدة لتحقيق سلام مستدام مع أوكرانيا، مشدّداُ على أنه "نريد سلاماً مستداماً، ولن يتحقق هذا السلام إلا بعد أن نحمي مصالحنا ونحقق الأهداف التي وضعت منذ البداية". وذكر بيسكوف أن نقطة الخلاف الرئيسية في المفاوضات الروسية الأوكرانية تتمحور حول منطقة صغيرة من دونيتسك، تخضع حالياً لسيطرة الجيش الأوكراني. وفي مؤشر إلى السقف الروسي العالي، قال بيسكوف إن المحادثات الجوهرية لحل النزاع لا يمكن أن تبدأ إلا بعد وصول القوات الروسية إلى "الحدود الإدارية للمناطق الروسية الجديدة"، أي مقاطعات دونيتسك ولوغانسك وزابوريجيا وخيرسون الأوكرانية. وفي مطلع الشهر الحالي، أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن القوات الروسية سيطرت على كامل مقاطعة لوغانسك. والأرجح أن الإعلان الروسي عن السيطرة على لوغانسك للمرة الثالثة منذ بداية الحرب، يهدف إلى خلق انطباع زائف بأن القوات الروسية تتقدم بسرعة في مختلف قطاعات ساحة المعركة. ومن الواضح أنها ضمن حرب نفسية يشنها الكرملين بهدف تصوير الدفاعات الأوكرانية على أنها على وشك الانهيار، وذلك لدفع الولايات المتحدة وشركاء أوكرانيا الآخرين إلى إجبار أوكرانيا على التنازل عن أراض لن يصعب على القوات الروسية أن تستولي عليها عسكرياً على المدى المتوسط، حسب تقديرات معظم الخبراء العسكريين.  وقال أليكسي تشيبا، النائب الأول لرئيس لجنة الشؤون الدولية في مجلس الدوما، إن الشروط الروسية الجديدة في المفاوضات الروسية الأوكرانية المقبلة، قد تتضمن مطالبة أوكرانيا بالانسحاب من منطقتي زابوريجيا وخيرسون، والتنازل عن مدن أوديسا وميكولايف ودنيبرو وخاركيف. ويطالب بوتين بانسحاب القوات الأوكرانية من منطقة دونيتسك في شرق البلاد، بما في ذلك من مناطق لم تتمكن القوات الروسية من السيطرة عليها في القتال الممتد منذ عام 2014. في المقابل، تدعو أوكرانيا إلى وقف القتال على خط الجبهة الحالي. ويفتح انسحاب أوكرانيا من منطقة الحصون الاستراتيجية المجال لروسيا للتقدم في مناطق سهلية في وسط أوكرانيا وشمالها أو جنوبها إن أرادت. وتشمل هذه التحصينات حقول ألغام، وخنادق مضادة للدبابات، وخطوط الخنادق، وأنظمة الدفاع ضد الطائرات المسيّرة. يمكن لهذه العوائق إما أن توقف القوات الروسية المهاجمة فعلياً، أو أن تجبرها على التوجه إلى أراضٍ مستنقعية أو وعرة، أو إلى مناطق قتل معدة مسبقاً، حيث يمكن استخدام النيران (قذائف الهاون والمدفعية) لتدمير التشكيلات الروسية. وفي حل وسط طرحت واشنطن فكرة إنشاء منطقة اقتصادية حرة أو منطقة منزوعة السلاح تشمل دونباس بأكملها، بما في ذلك الأجزاء التي تحتلها القوات الروسية حالياً. تأمل موسكو انتهاز فرصة انشغال الإدارة الأميركية في الحرب مع إيران للإسراع في فرض وقائع على الأرض في أوكرانيا وعلى عكس لغة التشاؤم السائدة من أفق المفاوضات، عبّر بودانوف عن تفاؤله بأن المحادثات تتطور باتجاه تسوية. وقال في مقابلة مع وكالة بلومبيرغ، في الرابع من إبريل الحالي: "الجميع يدركون أن الحرب يجب أن تنتهي. لهذا السبب هم يتفاوضون". وأضاف: "لا أعتقد أن الأمر سيستغرق وقتاً طويلاً". وأقر بودانوف بأن الطرفين حافظا على مواقف "متشددة" في المفاوضات الروسية الأوكرانية التي تتوسط فيها الولايات المتحدة حتى الآن، لكنه قال إنه يعتقد أنهما سيتقاربان أكثر في البحث عن تسوية. ولم يوضح بودانوف الشكل الذي قد يبدو عليه أي حل وسط بشأن الأراضي، وهو أكثر الملفات تعقيداً في المفاوضات. في المقابل، نقلت "بلومبيرغ" عن مصدرين مقربين من الكرملين، أنه لم يحدث تقدم حقيقي يُذكر في المفاوضات، إذ لا تزال المناقشات متعثرة إلى حد كبير حول الضمانات الأمنية لكييف. وأضافا أن حل النزاع يتطلب اتفاقاً أوسع من مجرد موسكو وكييف، يشمل الولايات المتحدة وأوروبا، رغم أن قادتهما غير متفقين على كيفية إنهاء الحرب. وتسعى أوكرانيا إلى توضيح طبيعة الضمانات الأمنية الأميركية لمنع أي عدوان روسي مستقبلي، في جزء من أي اتفاق لإنهاء الحرب. ومن المرجح أن يكون هذا ملفاً محورياً في المحادثات مع المبعوثين. أوكرانيا ترفض التنازلات وفي الجولات الأخيرة، أخفق الجانبان في التوصل إلى حل وسط، وترفض أوكرانيا مناقشة أي تنازلات دون ضمانات أمنية دولية واضح وموثوقة. وصرح زيلينسكي منتصف فبراير الماضي، بأنه تم الاتفاق عملياً على حزمة من هذه الضمانات، لكن لم يُحرز أي تقدم منذ ذلك الحين. وبدا أن الوضع صار عالقاً في حلقة مفرغة: من دون ضمانات، لن تناقش كييف قضية الأراضي، من دون حلول إقليمية، ستتوقف المفاوضات. وفي حال التوصل إلى اتفاق سلام بين موسكو وكييف، عرض حلفاء أوكرانيا الغربيون "ضمانات أمنية قوية" من قِبل "تحالف الراغبين" الذي يضم أكثر من 30 دولة، معظمها من أوروبا. وربطت واشنطن مشاركتها في أي ضمانات أمنية بالتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار يمنح روسيا السيطرة على منطقة دونباس (تضم إقليما دونيتسك ولوغانسك) بأكملها. وذكر زيلينسكي في منتصف فبراير الماضي أن الولايات المتحدة تقترح ضمانات أمنية لأوكرانيا ما بعد الحرب لمدة 15 عاماً، لكنه طالب بضمانات لمدة 20 عاماً على الأقل، إن لم يكن أكثر، وشدد على أن أي اتفاقية ضمانات أمنية يجب أن تسبق أي اتفاقية لإنهاء الحرب. وترفض موسكو وجود أي قوات تابعة لحلف شمال الأطلسي "ناتو" بصفتهم ضامنين أمنيين في أوكرانيا. وصرّحت موسكو بذلك على لسان مسؤوليها أكثر من مرة، مؤكدة أن أي قوات أجنبية في أوكرانيا ستكون "هدفاً مشروعاً". وعلى خلفية تباعد المواقف الروسية الأوكرانية، وعدم التوافق على موضوع الضمانات الأمنية، يبدو أن استئناف المفاوضات الروسية الأوكرانية لا يعني التوصل إلى حلول سريعة، إلا في حال حدوث تغييرات جذرية في مسار الحرب في أوكرانيا.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية