جزيرة "إسمَنتين"!
عربي
منذ ساعة
مشاركة
أرض معزولة شرق القاهرة، تُحيطها الأسوار من جميع الجهات، ممنوعٌ الوصول إليها إلّا للمنتمين إليها، ومحجوبٌ رؤيتها على المحرومين منها. جنةٌ فانتازية كتلك التي تراها على سطح المكتب كلما فتحت حاسوبك المُغبَّر بركام الجو وتراكم المهام. هي جزيرةٌ مُسيّجة بما هو أكثر عزلاً لها عن الماء، حيث الحجارة المُتعالية، والأبراج المراقِبة، وعلى حدودها الفاصلة سورٌ له باب، يخالونه "آخرة العز" بباطنه الرحمة وظاهره من قبَله العذاب، إذ لا فرصة لالتقاء العالَمين ولو صدفة، ولا يمكن للحرافيش التعرقل ولو في أحذية البشوات، الشعرة الوحيدة التي يُسمح (بحكم الحتمية) بالتقاطع فيها هي "نقطة السكيوريتي" حيث ذلك الحارس الغارق في عرَقه، وهؤلاء الغرقى بالجرعات الزائدة من عطورهم الغربية، تحت لوحة مدخل "مدينتي"، وعمودها الفقري الجديد "ذا سباين"، الذي أشبه ما يكون بسكين تشق خاصرة البلاد. بسبعة وعشرين مليار دولار، أو كما يحبّ رئيس الوزراء "تمصيرها" 1400 مليار جنيه، في وطنٍ يتنشّق على الـ1400 جنيه، تفتتح الحكومة برفقة المُدان سابقاً في قضية قتل سوزان تميم والمُعفى عنه رئاسيًّا، هشام طلعت مصطفى، مدينته الجديدة داخل "مدينتَي" الجديدة، إذ تتكاثر الوحدات "المُمليَنة" على مدّ البصر، نتيجة تكاثر غير شرعي بين الحجر والخرسانة، ليُنجبا جزراً إسمنتية جديدة، معزولة عن السكان الأصليين، تُدار فيها شبكات "القبح" لا "القباحة" وثمّة فرق دلاليّ في اللهجة المصرية بينهما، لكن النتيجة مُتقاربة: خطيئة استرخاص الإنسان. على سلمٍ تحت جناح الطريق، خلال رحلتي اليومية إلى جامعة القاهرة قبل أكثر من عقد، كانت سيدةٌ تسكن بَسطة السُلّم، ربما تعود نهاية اليوم إلى غرفة متواضعة تعيل فيها أبناءها، حيث كان أكبر همومها غياب الغسالة والبوتاجاز والثلاجة (لا أعلم ما الذي لديها بعد ذلك من أجهزة). أتذكّرها لا أعلم لماذا، لكنها أوّل ما ورد لخاطري حين تذكرت مخزوننا الاستراتيجي من الإسمنت، الذي يبني مدن أشباح، بينما البشر لا يجدون ما يسكنونه. يبنون في كلّ بحرٍ "جزيرة إسمنتينٍ" جديدة، فوق لحوم الأطفال، وعيون الجوعى، وشقاء فتيات البلاد وفتيتها تلك السيدة، التي لم يكن لها مسكنٌ في الحياة سوى حافةٍ قاصيةٍ من قلبي ودعواتي، لا أعلم عنها الآن أيّ شيء. وربّما لم تجد ما يسترها إلى آخر عمرها أو في أحسن الأحوال عساها دُفنت في مقابر الصدقة، أو لعلها حيّةً في هامش غير مرئي كمئة مليون إنسان، لكنني متأكّد عن ظهر قلب أنّ ثمّة من سيسكن بسطة السلّم نفسه بعدها، وربما سلّمات أكثر في ذلك الدرَج، ومثلهم آلاف آخرون على جميع هوامش المحروسة؛ لأنهم "فائضون" عن الحاجة، وإن كان وجودهم ضرورةً نفسيةً حتى يشعر المُترَفون بفرق الطبقات، وإلّا لشعروا بأنهم (لا سمح الله) في أوروبا، والأكثرية سواسية. مدينة أخرى، "ذا سباين" أو "ذا هارت" أو "ذا أي ابن كلب" لا فرق، المهم أنّ في قدرة البلاد دوماً أن تسعَ مدينةً أخرى، تستيقظ وتكاد تتقيّأ كلّ تلك الحجارة، فيكتمون فمها، يناولونها كوباً من الماء، حتى يلين الإسمنت ويصبح "مونةً"، ويترجونها "واحدة أخرى فقط؟"، فتسعل دماً، بينما يصبون فوقها مدينتهم الفاضلة الجديدة، للأعيان وأصحاب الأطيان، ليس من الأغنياء العاديين، الذين رُزقوا عن فضل الله وجهد وتعب، بل عن الذين نشؤوا نخبةً على جماجم العامة، وقمماً وهمية على أنقاض القاع الحقيقي أكثر من اللازم، يبنون في كلّ بحرٍ من العرق "جزيرة إسمنتينٍ" جديدة، فوق لحوم الأطفال، وعيون الجوعى، وشقاء فتيات البلاد وفتيتها. والعزاء... أنّ لكل "إسمنتين" نهاية، وليس في القبح جميل سوى آخرته القريبة.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية