التطبيل بوصفه ظاهرة اغتراب بين الذات والحقيقة
عربي
منذ ساعة
مشاركة
من الخطأ المعرفي اختزال "التطبيل" على أنّه مجرّد سلوك لغوي فردي سطحي أو أنّه طقس اجتماعي سياسي طارئ فحسب، بل هو بنية عميقة من الاغتراب تتسلّل إلى الوعي الفردي والجمعي، فتقلب علاقة الإنسان بالحقيقة العقلية رأساً على عقب. إنّه لحظة انكسار في صميم العلاقة بين الكلمة ومغزاها، إذ تُفرّغ اللغة من وظيفتها الأصلية كأداة كشف وفهم، لتتحوّل إلى قناع يشوّه الواقع ويُعيد تشكيله وفق مصالح ضيّقة. بهذا المنطق، يغدو التطبيل انحرافاً عن العقلانية، وخيانة ضمنية لفكرة "اللوغوس" تلك اللغة الصادقة المُرتبطة بالعقل والحقيقة وبوصفه مبدأً مُنظّماً للفكر والوجود، إذ لا يعود القول انعكاساً للكينونة، بل يصبح أداة لإنتاج واقع بديل يُرضي السلطة ويضمن الامتياز والمكانة والنفوذ. في هذا السياق، يمكن فهم التطبيل بوصفه صورة من صور السقوط الوجودي، إذ يتخلّى الفرد عن أصالته لصالح الانخراط في صوت الجماعة المُنقادة. فهو اختيار واعٍ أو شبه واعٍ للذوبان في الآخر الأقوى والتماهي معه، والاحتماء به من قلق الحرية ومسؤولية الموقف. هنا، لا يعود الإنسان فاعلاً أخلاقياً مُستقلاً، بل يتحوّل إلى صدى أو بوق، يردّد ما يُطلب منه من دون مُساءلة. هذه الحالة من "اللاأصالة" لا تقتصر على المستوى الفردي، بل تمتدّ لتشكّل مناخاً ثقافياً وقيمياً عاماً تُكافأ فيه الطاعة العمياء ويُعاقب فيه الاختلاف، ممّا يؤدي إلى تآكل الهُويّة الفردية وتلاشي الحدود بين الذات والمجموع. من الناحية السيكولوجية، لا يمكن فصل هذا السلوك عن ديناميات الأنا وهشاشتها. فالمُطبّل، في كثير من الأحيان، لا ينطلق من قوّة داخلية، بل من شعور دفين بالنقص أو الخوف من الإقصاء. إنّه يبحث عن الاعتراف من خلال التماهي مع مصدر القوّة، ويستمدّ قيمته الوجودية من قربه الرمزي أو الفعلي من مراكز النفوذ السلطوي. هذه العملية تشبه آلية دفاعية سيكولوجية مُعقّدة، إذ يجري تعويض الشعور بالدونية من خلال تداعي تضخيم الآخر وتمجيده، غير أنّ هذا التعويض يظلّ هشّاً، لأنّه قائم على الخارج لا على بناء داخلي مُتماسك. ومن هنا، يمكن وصف التطبيل بنوع من "المازوشية الاجتماعية"، حيث يقبل الفرد بإلغاء صوته النقدي مقابل الشعور المؤقّت بالأمان أو الانتماء. يقبل البعض بإلغاء صوته النقدي مقابل الشعور المؤقّت بالأمان أو الانتماء تزداد خطورة هذه الظاهرة حين تتحوّل من سلوك فردي إلى عرف سائد أو نمط جمعي. فبفعل العدوى النفسية، ينتشر التملّق أي "التطبيل" داخل الجماعات ليصبح معياراً ضمنياً  للقبول الاجتماعي. في هذه الحالة، لا تعود الحيادية أو الصمت الموضوعي اختياراً أميناً، بل يصبح الخروج عن جوقة التملّق مخاطرة قد تكلّف صاحبها النبذ أو التهميش. هكذا تتشكّل "ثقافة القطيع"، إذ يُقاس الولاء بمدى الانخراط في التصفيق، لا بمدى الكفاءة أو النزاهة. هذه الدينامية تُعيد إنتاج نفسها باستمرار، لأنّ كلّ فرد يراقب الآخرين ويضبط سلوكه وفق ما يراه سائداً، فينشأ نوع من التواطؤ الصامت الذي يكرّس الزيف كحقيقة اجتماعية. أمّا على مستوى من يُوجَّه إليهم التطبيل، فإنّ الأثر لا يقلّ خطورة. فالتعرّض المُستمرّ للمديح غير النقدي يؤدي إلى تضخم الأنا وانفصالها التدريجي عن الواقع. حينها، لا يعود الفرد قادراً على التمييز بين صورته الحقيقية والصورة التي يرسمها له المطبلون المُحيطون به، فيقع في فخ النرجسية ويصبح أسير انعكاساته المُشوّهة. هذا الانفصال المعرفي ينعكس بدوره على القرارات، التي تُبنى على مُعطيات مزيّفة لا تعكس الواقع الفعلي، ما يفتح الباب أمام أخطاء جسيمة قد تكون عواقبها كارثية على المستويات المؤسّسية والسياسية والمجتمعية. يُعدّ التطبيل عاملاً مُعيقاً لأيّ مشروع نهضوي، لأنّه يقوّض مبدأ الجدارة ويستبدله بمنطق الولاء اجتماعياً، يُعدّ التطبيل عاملاً مُعيقاً لأيّ مشروع نهضوي، لأنّه يقوّض مبدأ الجدارة ويستبدله بمنطق الولاء. في بيئة كهذه، لا تُكافأ الكفاءة بقدر ما يُكافأ الانسجام والتماهي مع خطاب القوّة كالسلطة مثلاً، فتُقصى العقول النقدية وتُهمّش الطاقات الخلّاقة. ومع مرور الوقت، تتشكّل بنية من "الرداءة المنظمة"، إذ يتصدّر المشهد من يجيدون فن التملّق السياسي والديني لا من يمتلكون القدرة على الإبداع. هذا الوضع يؤدي إلى تآكل الثقة بين الأفراد والمؤسسات، لأنّ الجميع يدرك، في مستوى ما، أنّ ما يُقال لا يعكس ما هو كائن فعلاً. ومع غياب الثقة، يفقد المجتمع أحد أهم شروط تماسكه واستقراره. ثقافياً، يجد التطبيل تربة خصبة في الأنساق التي تميل إلى تقديس الفرد على حساب المؤسّسة، وتغليب العاطفة على العقل. حين يُصوَّر القائد أو المسؤول ككائن استثنائي فوق النقد، تتحوّل الثقافة من فضاء للنقاش الحر إلى أداة تبرير وتزيين. في هذه الحالة، تسهم بعض النّخب في إعادة إنتاج الخطاب المُمجّد، عبر صياغة سرديات تضفي الشرعية على ما هو قائم، حتى وإن كان مختلاً. وهكذا، تفقد الثقافة وظيفتها التنويرية، وتتحوّل إلى بوق يردّد ما يُراد له أن يُقال، لا ما ينبغي أن يُفكَّر فيه. مع غياب الثقة، يفقد المجتمع أحد أهم شروط تماسكه واستقراره غير أنّ مواجهة هذه الظاهرة لا تجري عبر الإدانة الأخلاقية الكلامية المُجرّدة، بل عبر إعادة بناء العلاقة بين الفرد والحقيقة. يبدأ ذلك من استعادة قيمة النقد على اعتباره فعلاً مسؤولاً، لا تهجّماً، ومن إعادة الاعتبار للصدق كشرط للوجود الأصيل، كما يتطلّب الأمر بناء بيئات اجتماعية ومؤسّسية تشجّع على الاختلاف وتحميه، بحيث لا يكون التعبير عن الرأي مخاطرة وجودية. إنّ تحرير اللغة من وظيفتها التزييفية، وإعادتها إلى دورها الكشفي، يشكّل خطوة أساسية في هذا الاتجاه. في الخاتمة، يمكن القول إنّ التطبيل ليس مجرّد خلل أخلاقي، بل هو اختلال بنيوي في الوعي والعلاقات الاجتماعية. إنّه مرض يصيب الروح الجماعية، فيجعلها عاجزة عن رؤية ذاتها بوضوح. ومثل كلّ الأمراض العميقة، لا يُعالج بالمُسكّنات، بل بمراجعة جذرية تُعيد ترتيب القيم وتضع الحقيقة فوق الاعتبارات الآنية. فالمجتمعات التي تختار المصارحة، رغم قسوتها، تفتح لنفسها أفق التصحيح، بينما تلك التي تغرق في سيمفونية المديح والتزلّف والتملّق الزائف، إنما تؤجّل لحظة الاصطدام بالواقع، لكنّها لا تلغيها.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية