عربي
اعتدت سماع مناداة ذلك الصبيّ لشخص آخر يُدعى عامر، لم يحدث أنّني عرفت أيّاً منهما. يردّد الصبيّ النداء مرّات متتالية. يوميّاً، كان صوته ينطلق من أسفل البناء، إلى طابق علويّ حيث يسكن عامر، وإلى أذنيّ، المثقلة بأصوات الباعة وصراخ الأولاد وشجاراتهم لعبهم. اعتدت أن أتحمّل هذا الصخب كلّه بالتفهّم والتعاطف، فصدّ الجوع والعوز، والخوف على الأطفال من شرور الحرب، وضيق حال أسرهم، يجعل من المكان متّسعهم الأوحد لطفولتهم واللعب. ودفعت بي لتخيّل صخبهم مقطوعة موسيقيّة، حيلة للتحمّل. حيلٌ اعتدت ابتكارها طول حياتي، لتحمّل مضادّات (خصوصيّات) عيشي وقناعاتي والتعايش معها حين تبدو كقضاء وقدر لا رادّ لهما، وما يبطن نسيج تلك المضادات من تبرير للآخرين وقت الضيق. مرّة، ابتدعت مخيّلتي سمفونيّة من صخب أصوات الطرق، ومن ملامح الوجوه الدمشقيّة المتّسخة بشحّار وشحم وغبار، وهي تنكبّ بشغف على ما تبدعه الأيادي، تلفتني الأقواس الحجريّة العابقة بالتاريخ فوق أبواب الدكاكين. يومها شرعت بسماع السمفونيّة مع أوّل سماعي للطرق، سمفونيّة امتدّت على طول المساحة التي يمتدّ عليها سوق المناخليّة طولاً، مسافة 200 متر. سوق المناخليّة أحد أسواق دمشق القديمة، قريباً من قلعة دمشق، داخل سور دمشق الأثريّ. بُنيت منذ ما يقارب ألفي عام، ويقارب تاريخ بناء القلعة والمسجد الأمويّ. كانت تصخب بأصوات طرق المعادن، لكنّ عشقي لدمشق القديمة بكامل مكوّناتها وتفاصيلها، سبب تخيّلي ذلك الصخب المتواصل سيمفونيّة. كانت السوق تختصّ بصناعة المناخل والغرابيل، ثمّ تحوّلت إلى سوق للخردة وموادّ البناء، وفي كلتا الحالتين كانت، وما تزال، تجذب المهتمّين من زبائن وزوّار وسيّاح. يعمل في السوق ملّاكه من أهالي حيّ المناخليّة، هم من بين أشهر العائلات الدمشقيّة العريقة. ولتآزرهم، تتّسم العلاقات في ما بينهم بالعائليّة. يتوارثون عادات السوق وتقاليدها كتوارثهم لعاداتهم الاجتماعيّة وشعائرهم الدينيّة. كانت ورشاتها تغطي نفقات عيش كريم لمئات العوائل، اقتصرت حديثاً على إعالة العشرات لتردّي الأوضاع الاقتصاديّة وسواها في البلاد، إضافة إلى دعمها أربعين جمعيّة خيريّة. منذ سنوات، عمل أصحاب الدكاكين على ترميمها وتطويرها، بتمويل شخصيّ وجماعيّ محليّ صرف، وبإشراف الجهات الرسميّة واللجنة المختصّة بحماية دمشق القديمة. وحدث أن شهدنا محاولة غبيّة لمحافظة دمشق في العهد السابق، لتنفيذ مشروع استثماريّ بتمويل خارجيّ، كان يستوجب هدم شارع الملك فيصل، شمال المناخليّة، فهبّ أهالي دمشق، وصحفها، وبتدخّل منظّمة اليونيسكو العالميّة لحفظ التراث العالميّ، ووأدوا المشروع اللصوصيّ المدمّر لأصالة المدينة. من معالم الحيّ التاريخيّة باب الفرج، أحد أبواب دمشق. عديدة هي المعالم الأثريّة التي يضمّها الحيّ، من مبان تاريخيّة جميلة، كجامع سنان باشا، ويضمّ قبره. كان سنان أحد الولاة العثمانيّين المحتلّين، والآمر ببناء المسجد فوق أرض دمشق، كمساجد أخرى وغيرها من المباني التي شيّدها العثمانيون إبّان احتلالهم لبلادنا. وقد سقطوا واندحروا، وتحرّرت البلاد واستعادت أراضيها، حقوقها، وأملاكها التاريخيّة المسلوبة. أحدث في التاريخ أن يستردّ مستعمر مطرود ما بناه على أرض احتلّها بثرواتها وفتك بشعبها؟
تعاطفي مع الصبيّ عامر مشابه لتعاطفي مع أهالي المناخليّة. يخز روحي الحداء لصوت صبيّ ينادي صديقه من أسفل البناية. توقّف الصوت، اختفى تماماُ. قيل إنّ عامر ابن الجيران المستأجرين لشقّة قيد الإنجاز في البناء المجاور، قد هاجر، وقيل قتله المرض، وقيل إن الحكومة الجديدة فصلت والده من عمله مع آخرين كثيرين فرحلوا. اليوم، تيبّست مخيّلتي، عجزت عن تحويل أصوات النحيب والعويل إلى موسيقا.
