"تصحّر قاري".. هل انكسرت هيبة الكرة التونسية في أدغال أفريقيا؟
عربي
منذ ساعة
مشاركة
منذ ثلاثين عاماً، كنت أصدح بصوتي خلف الميكروفون واصفاً ملاحم أنديتنا في أدغال القارة، عشنا زمناً كانت فيه تونس بأنديتها تصول وتجول في ربوع الماما أفريكا، فمن ينسى عام 99 حين كانت ثلاث كؤوس أفريقية فيها الترجي والأفريقي والنجم؟ ومن ينسى عامي 97 و98 حين حصدت أنديتنا أربع كؤوس من أصل ست؟ كانت السطوة لنا، والرهبة منا، والقمة لا ترضى بغيرنا بديلاً. اليوم، وأنا في أواخر مسيرتي التعليقية، كنت أمنّي النفس بختام يليق بتلك الأمجاد، لكن الواقع الذي أراه "يُدمي" القلب قبل العين. زلزال في الترتيب.. تنزانيا تسبقنا! لأربعة عقود، لم يخرج الدوري التونسي عن المركزين الأول أو الثاني قارياً، اليوم نصحو على فاجعة، بطولتنا تتراجع إلى المركز السادس، وتجاوزنا الدوري التنزاني في الترتيب! نحن الآن نعيش على "رصيد قديم" يضمن لنا المشاركة بأربعة فرق، لكن بالمستوى الحالي، سنفقد هذا الامتياز قريباً لنكتفي بمقعد وحيد في كلا المسابقتين، ونصبح مجرد "عابري سبيل" في قارة لا تعترف إلا بالأقوياء. "العشرية السوداء" وانهيار الهوية منذ عام 2020، دخلت كرتنا نفقاً مظلماً أسماه الكثيرون "العشرية السوداء"، أزمات هيكلية ومادية خانقة جعلت الانتدابات "متوسطة" وبلا روح، فالانتدابات القيّمة تحتاج سيولة وأنديتنا اليوم غارقة في الديون، والأدهى أننا فقدنا "الهوية"، لم يعد هناك ما يسمى "ولد الجمعية" الذي يتشبّع بحب القميص منذ المدارس. الأندية، تحت ضغط استعجال النتائج، لم تعد تصبر على الشبان في عمر 17 و18 عاماً، فقتلنا المواهب في مهدها بدعوى "نقص الخبرة". المعركة الاقتصادية.. الترجي يغرد وحيداً لقد خسرنا "المعركة الاقتصادية" مع منافسينا في المغرب والجزائر ومصر وجنوب أفريقيا وحتى الكونغو الديمقراطية وتنزانيا. أندية هذه البلدان تملك إمكانات مالية ضخمة، بينما أنديتنا أصبحت بعيدة كلّ البعد عن المنافسة، حتى الترجي الرياضي بدأ يخسر المنافسة قارياً أمام الإمكانات المالية الكبيرة والضخمة لفرقٍ مثل الأهلي وبيراميدز المصريين وصن داونز الجنوب أفريقي. من جهة أخرى، فقد جفّ النبع الذي كانت تمده لنا قلاع مثل الأولمبي الباجي، شبيبة القيروان، النادي البنزرتي، الاتحاد المنستيري، مستقبل المرسى، ونادي حمام الأنف وقابس، أين اختفت الفرق التي كانت "خزاناً" للمواهب مثل الأولمبي للنقل محيط قرقنة، أولمبيك الكاف والسكك الحديد الصفاقسي، الشيمينو وجندوبة الرياضية؟ "ديكتاتورية" الشارع وهروب الكفاءات المشكلة الأخطر هي "حكم الشارع الرقمي" أو ما يعرف بوسائل التواصل الاجتماعي، أصبح ضغط السوشيال ميديا هو المتحكم في تعيين المدربين وإقالتهم. والمفارقة المضحكة المبكية أن مدربين مثل البرتغاليين كاردوزو وسانتوس مروا ببطولتنا وحكمنا عليهم بالفشل، واليوم نجدهم يتنافسون وجهاً لوجه في نهائي دوري أبطال أفريقيا! عقلية "عدم الصبر" جعلت الإدارات هشة، والقرار الرياضي مسلوباً، وهذا تهديد حقيقي لسيادة الأندية. الانعكاس المرّ: المنتخب "المستورد" ومقولة لومار هذا الانهيار المحلي زلزل كيان المنتخب الوطني، ومع تراجع جودة اللاعب المحلي وغياب التكوين، هرب المدربون نحو "أوروبا" بحثاً عن مزدوجي الجنسية حلاً ترقيعياً، وهنا نستذكر مقولة الفرنسي روجيه لومار الصادمة والواقعية في آن واحد حين اعتبر أن "حصة تدريبية واحدة في نادٍ أوروبي، أفضل من خوض مباراة رسمية في الدوري التونسي". لقد أصبح المنتخب يعتمد بشكلٍ مفرط على لاعبين نشؤوا في بيئة احترافية بالخارج، لأن "المصنع المحلي" توقف عن الإنتاج، ولأن الدوري التونسي لم يعد بيئة صالحة لتطوير اللاعبين وتسويقهم للخارج. خريطة الطريق: كيف نستعيد "الهيبة" الضائعة؟ إن الخروج من هذه الأزمة ليس مستحيلاً، لكنه يتطلب شجاعة في القرارات وقطيعة مع "المسكنات" الوقتية، وذلك عبر خطوات عملية وملموسة:  أولاً: ثورة التشريعات (الخصخصة الرياضية): لا بدّ من تغيير قانون الجمعيات الحالي الذي كبّل الأندية بالديون، والتحول نحو "الشركات الرياضية" التي تسمح بدخول المستثمرين ورؤوس الأموال، لا يمكننا مقارعة أندية مصر والمغرب وجنوب أفريقيا بإمكانات "جمعيات خيرية"، فالمعركة الاقتصادية تتطلب أدوات اقتصادية حديثة. ثانياً: إعادة الاعتبار لـ"المصنع المحلي": يجب فرض قوانين تُلزم الأندية بتخصيص نسبة ثابتة (لا تقل عن 20%) من ميزانيتها لقطاع الناشئين، مع حماية المدربين المكوّنين مادياً وفنياً. العودة إلى سياسة "ولد الجمعية" والصبر على الشبان في سن 17 و18 عاماً هي السبيل الوحيد لتقليل كلفة الانتدابات المتوسطة وإعادة الروح إلى الهوية الكروية التونسية. ثالثاً: تحصين القرار الإداري، إذ على رؤساء الأندية استعادة سيادتهم من "ديكتاتورية السوشيال ميديا"، لا بدّ من وضع "إدارة فنية" مستقلة هي من تقرر مصير المدربين بناءً على تقارير علمية لا على "هاشتاغات" الجماهير، فالاستقرار الفني هو ما جعل كاردوزو وسانتوس ينجحان في الخارج، وهو ما نحتاجه بشدة في الداخل. رابعاً: إنقاذ الروافد (الأندية المموّلة)، إذ يجب وضع خطة دعم وطنية للأندية التي كانت "خزاناً" للمواهب (مثل القيروان، باجة، وبنزرت). سقوط هذه القلاع يعني جفاف النبع الذي يغذي الفرق الكبرى والمنتخب، فتقوية الأطراف هي التي تحمي المركز. خامساً: تطوير البنية التحتية والنسق، حيث لا يمكن الحديث عن جودة فنية في ملاعب مهترئة، لا بد من ثورة في المنشآت الرياضية تضمن للاعب "بيئة احترافية" ترفع من قيمة الدوري فنياً وتسويقياً، حتى نخرج من جلباب التبعية المطلقة للاعب المحترف بالخارج ونعيد إلى المنتخب توازنه بين "المحلي" و"المغترب". بهذه الحلول فقط، يمكننا أن نوقف نزيف التراجع، ونبدأ رحلة العودة من المركز السادس إلى الريادة التي اعتدنا عليها 40 عاماً. أمنية في ختام المشوار لقد علقت على تتويجات الترجي والنجم والصفاقسي، وعشت نهائيات الأفريقي الحارقة، تلك السطوة لم تكن صدفة، بل نتاج استقرار وصبر، أتمنى، رغم كلّ هذه الغيوم السوداء، أن تعود الأمور إلى نصابها، تونس ولّادة، ولكنها تحتاج إلى ثورة في العقلية، وإلى جمهور يصبر على البناء، وإلى رؤساء نوادٍ يستعيدون زمام الحكم من "الشارع". لا أريد أن تنتهي مسيرتي وأنا أتحدث عن "كان يا ما كان"، بل أريد أن أصرخ بفخر مرة أخرى: "تونس تعود.. نوادي تونس تسيطر.. تونس بطلة أفريقيا".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية