عربي
تُثير إعادة عرض النسختين "السينمائيتين" لمسرحيتي "بالنسبة لبكرا شو؟" (1978) و"فيلم أميركي طويل" (1980) لزياد الرحباني (1956 ـ 2025)، في صالة سينما متروبوليس ببيروت (2026)، ذكريات قديمة، ينبثق بعضها من زمن الحرب الأهلية اللبنانية (1975 ـ 1990)، وبعضها الآخر يتأتى من لحظة عرضهما التجاري الأول (2016). فالمسرحيتان معنيتان بأهوال الحياة اليومية في "بيروت الغربية" (أو بيروت والبلد؟)، المُقيمة في حرب وخراب وانهيارات وانشقاقات، في مستويات العيش والعلاقات البشرية. والنسختان "السينمائيتان" تُعيدان رسم معالم تلك المرحلة نفسها، لكن بالصورة والصوت، في لحظة (منتصف العشرية الأولى من القرن الـ21) تشهد ارتباكات في السياسة والاقتصاد، وتشنّجات في الاجتماع، بعد اغتيالات تزيد من حدّة الاصطفافات اللبنانية الداخلية، وتُعلن استمرار الحرب بلغة غير عسكرية، وهذا أخطر وأعنف.
وإذْ تحثّ المسرحيتان، عند عرضهما التجاري في "بيروت الغربية"، نقاشاً نقدياً مفتوحاً على تفاصيل يوميّة في حياة الفرد والجماعة والبيئة والبلد، وعلى بنيتهما الفنية والجمالية، يُسعِد عرض النسختين "السينمائيتين" كثيرين/كثيرات ممن يعيشون عمراً من دون لقاء "مباشر" مع المسرحيتين وصانعهما والعاملين/العاملات فيهما، رغم أنّ لهما ولصانعهما ومعظم العاملين/العاملات فيهما حضوراً كبيراً في وعي فردي وذاكرة جماعية، غالبية أبنائهما/بناتهما (الوعي والذاكرة) منتمية إلى جيل ما بعد النهاية المزعومة للحرب الأهلية، أو إلى جيل سابق عليه، لكن من دون تواصل مباشر في صالة المسرح.
سعادة كهذه تحول دون قبول نقدٍ يُبيّن حينها الفرق بين الاستماع إلى "مسرح سمعي"، كما يُقال عن اشتغالات زياد الرحباني (ما يحرِّض على إعمال الخيال في نسج علاقة به، وفي رسم ملامح الأمكنة التي تحضن حكايات وحالات مستلّة من واقع بائس، وفي ابتكار صُور للشخصيات وممثليها وممثلاتها)، ومشاهدة نسختين رديئتين فنياً وتقنياً، إلى درجة تمنع تمتّعاً بكل السابق على المُشاهدة.
نقدٌ كهذا غير رافض سعادة من يتوق إلى مُشاهدة ما يستمع إليه طويلاً، بأمكنته وفضاءاته وشخصياته وتفاصيله، بأي وسيلة. غير معني بشغف من يريد تواصلاً "مباشراً"، بأي شكل، مع وجوه يُكرّر سنين مديدة ما تقوله في هذه المسرحية أو تلك. غير جاهل أنّ النسختين "السينمائيتين" مُصوّرتان بتقنيات بدائية، وبعدم تمكّن من شرط التصوير بآلة غير سينمائية. لكنّه نقدٌ يقول إنّ متعة الاستماع، بما تصنعه من خيالات تتوافق مع شغف المستمعين/المستمعات ووقائع المسرحيتين، أفضل وأهمّ من مشاهدة تُطيح جزءاً كبيراً من تلك المتعة، وتفرض شرطاً غير سوي في تواصل يُراد له أن يكون مباشراً، خاصة مع إعادة العرض بعد أقلّ من عامٍ على رحيل زياد.

أخبار ذات صلة.
هل يفيد جوز الهند ومنتجاته مرضى السكري؟
الشرق الأوسط
منذ 21 دقيقة