آشا بوسلي وآر. دي. بورمان... الحياة خارج الغرفة
عربي
منذ ساعة
مشاركة
خلافاً لما تقتضيه أعراف البلاد، أحجمت المغنّية الأيقونيّة الهندية آشا بوسلي (Asha Bhosle)، التي رحلت منذ أيام عن 92 عاماً، عن دخول الغرفة حيث سُجّيَ جثمان زوجها ورفيق دربها، المغنّي وقائد الفرق آر. دي. بورمان (R. D. Burman)، وإلقاء نظرة وداعٍ أخير قُبيل تشييعه سنة 1994، ما أجّج حينها مشاعر جمهورٍ بوسع البلاد من مُحبّين ومبجّلين لكليهما، بين متفهّمٍ ومستنكرٍ. ما حدا بها إلى تبرير سلوكها عبر وسائل الإعلام بأنه لم يأتِ من رفضٍ وإنكارٍ، أو جفاءٍ، بقدر ما كان نابعاً من رغبتها الصادقة في الحفاظ على صورته بعد مماته في الوجدان، مثلما عرفته في حياته. وقد تحوّلت الحياة التي قضاها الشريكان معاً، أكان في المنزل أم في استوديو التسجيل، إلى إرثٍ وطنيٍّ من التعاون الفني المثمر، حدّد المسار الذي قاد الأغنية الهندية الجماهيرية إلى ما هي عليه اليوم. ولعلّ من أهم سمات هذا التعاون، وهي تتقاطع مع أغلب التوجّهات الفنّية التي شهدتها الدول الناشئة إبان حقبة ما بعد الكولونيالية، كان التوثّب نحو الموسيقى الجماهيرية العالمية بلبوسها الغربي الأميركي والأوروبي الواضح، وتوظيف ألوانه داخل الإنتاج الفني الهندي، الموسيقي والسينمائي، ومنها الجاز وإيقاعاته القادمة من الكاريبي وأميركا اللاتينية. ساهم في نجاح وصفة بورمان العصرية في توظيف البوب الغربي هنديّاً مرونةُ حنجرة بوسلي، وقدرتُها الفائقة على استيعاب أساليب تعبيرية جاءت من خارج إطار الغناء المحلي الذي نشأت وتدرّبت عليه. بيد أنّ الغناء المحلي بحد ذاته هو من سهّل أساساً مهمة التشرّب السريع للمؤثّرات الآتية من الغرب، نظراً إلى دخول كلٍّ من المرونة والسيولة النغمية والأدائية في صلب الموسيقى التقليدية الدينية والدنيوية في الهند على حدٍّ سواء؛ إذ تبلغ النُّظم المقامية والإيقاعية القائمة عليها من التنوّع في مُخرجاتها الصوتية حدّاً يجعلها قابلةً للذوبان في أيّ ثقافة سمعيةٍ أجنبية، بقدر ما هي قادرةٌ على إذابة أيّ لونٍ موسيقيٍّ وافدٍ في بوتقتها الموسيقية بسلاسةٍ تامّة. يُخطئ من يسمع المقدّمة الآليّة لأغنية "يا حبيبي، تعال إليّ الآن" (Piya Tu Ab To Aaja) إذا ما حسبها الموسيقى التصويرية لواحدٍ من سلسلة أفلام جيمس بوند الهوليوودية، وذلك على الرغم من النفخ المنخفض في بوق الساكسفون الذي تُستهلّ به، ذي النكهة الجازية المثيرة للريبة، مُصاحَباً بإيقاعات اللاتينو والطرق على سبائك الفيبرافون. حتى تسرّب أطياف الوتريات إلى المشهد، وهي تُمهّد من علوٍّ أثيريٍّ مرتفعٍ لحواريّةٍ بين الترومبيت والأورغ الكهربائي، تجسّد الآلتان من خلالها صوتياً لمشهد امرأةٍ وهي تترنّح تحت تأثير الكحول؛ كلّها مفرداتٌ موسيقيةٌ تُذكّر الأذن بمادة ساوند تراك لدراما بوليسيةٍ أميركيةٍ أو فيلم نوار يعود إلى حقبة السبعينيات. وما إن تُسمع الحنجرة تخترق الأجواء كتغريد طير، حتى يتّضح للأذن أنّ الأغنية تعود إلى فيلم تشويقٍ استعراضيٍّ من بوليوود، وليس هوليوود، بعنوان "كارافان" (Caravan) إنتاج 1971 وإخراج ناصر حسين، لحن ووزّع وأنتج له الموسيقي آر. دي. بورمان، وغنّت للصورة فيه آشا بوسلي. ومع أنّ الأخيرة غنّت باللغة الهندية، أحسنت تطويع النصوص لتتناسب مع لون الجاز والبلوز بانتقالاته النغمية الخماسية، وفي بعض المواقع اعتمدت المؤثّرات الصوتية مسحوبة اللحن، كالنَّفَس والتنهيدة، تُشكّلها وفق نبضٍ إيقاعيٍّ حماسيٍّ راقصٍ. إلا أنّها، في الوقت نفسه، حدّدت لها مواقع ترتدّ عندها رجوعاً إلى إرثها الثقافي لدى كل فرصةٍ تسمح بها شخصية اللحن، فتؤدّي بالأسلوب الهندي؛ بذلك إنّما تُحاكي الذائقة الجماهيرية بشريحتها الضيّقة المتوثّبة غرباً، والأخرى العريضة الأكثر تمسّكاً بالهوية السمعية المحلّية. مطواعيّة آشا بوسلي التقنية والثقافية على حدٍّ سواء، جعلتها قادرةً على التحكّم في كثافة الزخرفات الصوتية، التي يُعتبر الإسهاب فيها من خصائص الغناء الهندي التقليدي. فاستطاعت، حينما تطلّب اللون الموسيقي منها قدراً من الاقتصاد في الزخارف، أن تبتكر أسلوباً مينيماليّاً لم يكن مألوفاً في بوليوود. يتجلّى ذلك في أغنية "نَفَس، اسحب نَفَساً" (Dum Maro Dum) من فيلمٍ ساخرٍ بعنوان "هاري راما، هاري كريشنا" (Hare Rama Hare Krishna) أخرجه ديف أناند سنة 1972 وأنتج بورمان له الموسيقى، يتناول حمّى السياحة الدينية التي راجت بين مجموعات الهيبيز الأوروبيين والأميركيين في السبعينيات، سعياً وراء الرهبان الهندوس، أملاً في بلوغ الاستنارة الروحية. تماشياً مع الحبكة، وبهدف تجسيدٍ موسيقيٍّ لأجواء الحقبة، أدخل بورمان الموسيقى الإلكترونية على أغاني الفيلم من خلال العزف على أورغ السنثسايزر، يُرافقه الضرب على أوتار الغيتار الكهربائي والقرع على طبول الدرامز، مُستلهماً روك السيكاديليا، وهو لونٌ موسيقيٌّ شاع حينذاك، جمع بين الصخب والنشوة الروحية، انتشر بين الهيبيز، وتميّز بتوظيفه الأصوات الكهرومغناطيسية للتعبير عن تجارب الغيبوبة والوجد الناتجة عن تأثير المخدّرات والعقاقير المهلوسة. وقد استجابت آشا بوسلي لخلطة بورمان بأن قلّلت من التزويق والزركشة، واعتمدت في غنائها على خطوطٍ أكثر عُرياً واستقامة، اقتربت بها من غناء الروك والهيفي ميتال، مع إبقائها، كما في كل أغانيها، على شيءٍ من الزخارف، تَرشّها بين جملةٍ وأخرى كالتوابل، تُذكّر المستمع بهويّتها. اللافت أنّ الرحلة الاستكشافية التي خاضها الزوجان بورمان وبوسلي لعقدين من الزمان في غياهب التجريب والتغريب قادتهما، في نهاية المطاف، إلى ابتكار أغنيةٍ بدت أكثر تماهياً مع موروثهما الثقافي، مثل "بعضٌ من أشيائي" (Mera Kuch Samaan) من فيلمٍ رومانسيٍّ بعنوان "عطلة" (Ijaazat) إخراج غولزار سنة 1987. تقوم الأغنية على مفارقةٍ بنيويةٍ؛ فمن جهةٍ، هي موغلةٌ في عصريّتها إلى حدود التخلّص من القافية الشعرية كُلّياً، والاعتماد على الحمولة العاطفية الكامنة في المعنى، ومن جهةٍ ثانية، تستدعي جملها اللحنية النماذج المقامية المرتبطة بموسيقى الراغا التقليدية، حتى إنّ أصداء آلاتها، كالطبلة والسانتور، تُسمع على مسار المرافقة، ما أفسح المجال أمام آشا بوسلي لأن تؤدّي بأسلوبٍ طربيٍّ ساحر، فريدٍ وأصيلٍ. 

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية