عربي
في عالمٍ تتدفق فيه الأخبار عبر شاشات الهواتف كالسيل الذي لا ينقطع، باتت القنوات التلفزيونية تواجه التحدي الوجودي الأكبر: كيف يمكن تقديم "الجديد" لمن يحيط به العاجل من كل جانب؟
من هذه النقطة بالتحديد، انطلق يوم أمس الأحد برنامج "هذا النهار" على شاشة التلفزيون العربي، معلناً عن تدشين تجربة إخبارية صباحية تُعنى بنقل الحدث، ولكنّها تعيد صياغته في قالبٍ سردي يجمع بين الحيوية والعمق، محاولاً جسر الهوة بين جفاف الخبر التقليدي وحاجة المشاهد إلى فهم السياقات المحيطة به.
يراهن "هذا النهار" على فلسفة القصة المتكاملة. هو لا يريد للمشاهد أن يستقبل المعلومة بوصفها قطعة من الأحجية، وإنما لوحة مكتملة المعالم ترافق بداية يومه. هنا، يصبح الخبر أقرب إلى مادة للتأمل والتحليل والتفاعل، إذ تتداخل فيه الوسائط المختلفة لتشكل تجربة بصرية وذهنية تليق بمشاهدٍ يبحث عن "لماذا" و"كيف"، وليس فقط عن "ماذا" حدث.
يقود هذه التجربة الإعلامي محمد سليمان أبو نصيرة، الذي يبدو أنه قرّر التخلي عن "سترة" المذيع النمطي الذي يقرأ من جهاز الأوتوكيو ببرود.
في "هذا النهار"، نجد إيقاعاً يكسر الرتابة؛ إذ يمزج أبو نصيرة بين الجانب الإخباري الصرف والقراءات التحليلية التي تفكّك أبعاد الحدث. إنها محاولة لأنسنة الخبر، وجعله جزءاً من نقاش عام، يمتد ليشمل ما تتداوله على منصات التواصل الاجتماعي، أو ما يتسرب بين سطور المقابلات الصحافية والتصريحات السياسية.
هذه المقاربة تعتمد على فكرة الحميمية الواعية، إذ يشعر المشاهد أنّ المذيع ليس مجرد ناقل للرسالة، بل هو شريك في عملية البحث عن الحقيقة. إنّ القدرة على الانتقال من الجدية الصارمة إلى صيغة السؤال الفكاهي أو النقد الناعم، تعكس ثقة في المحتوى، إذ يدرك القائمون على البرنامج أن الحقيقة أحياناً تسكن في تفاصيل لا تدركها اللغة الخشبية الرسمية.
بطبيعة الحال، لم يكن غريباً أن يضع البرنامج بوصلته تجاه القضايا الساخنة في المنطقة. في حلقته الأولى، غاص "هذا النهار" في ملف العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران، لكنه لم يتوقف عند حدود الانفجارات أو التصريحات المتبادلة. ذهب البرنامج أبعد من ذلك ليرصد الجوانب السياسية والاقتصادية، متناولاً تداعيات إغلاق مضيق هرمز وما يترتب على ذلك من زلازل اقتصادية قد تمسّ معيشة الناس.
كانت الانسيابية هي العنوان الأبرز؛ فبينما يغرق المشاهد في تحليل ردّات الفعل بين طهران وواشنطن، يبرز الخبر العاجل خلف أبو نصيرة على شاشة عملاقة، لينتقل إليه بسلاسة تامة، من دون أن يقطع حبل أفكار المشاهد، بل يضيف طبقة جديدة من الآنية والمواكبة.
في ملف لبنان، قدم البرنامج نموذجاً للإعلام التحليلي والسجالي. لم يكتفِ بالحديث عن الهدنة بين لبنان والاحتلال الإسرائيلي، بل نزل إلى التفاصيل الميدانية لقرى الجنوب، موضحاً بخرائط بصرية ومعلومات دقيقة ماهية الخط الأصفر الذي يحاول الاحتلال فرضه.
هنا، تحول البرنامج إلى ما يشبه خريطة تشرح للمشاهد كيف يمكن للجغرافيا أن تتحول إلى أداة ضغط، وكيف يمكن للحدود الوهمية أن تصبح واقعاً مريراً، مستضيفاً من يقدّم قراءة تحليلية، مثل الكاتب السياسي خليل نصر الله وأستاذة العلاقات الدولية ميساء عبد الخالق، لإضفاء صبغة أكاديمية ورصينة على النقاش الميداني.
في لقاء خاص مع "العربي الجديد"، يحدثنا المقدِّم محمد سليمان أبو نصيرة ومنتج البرنامج حسن بكر عن الكواليس التي تصنع فيها هذه الوجبة الإخبارية. يطرح أبو نصيرة سؤالاً جوهرياً: "لماذا ينبغي دائماً أن تُقدّم الأخبار بصيغ معتادة باتت تسبب نوعاً من التعود السلبي لدى المتلقي؟".
هذا التساؤل هو المحرك الأساسي للفريق. العمل في "هذا النهار" ليس مجرد ترتيب لفقرات، بل هو إعادة نظر في اللغة والصورة وحركة المذيع داخل الاستديو. الهدف هو استيعاب آراء أوسع، وتقديم مادة أغنى تخرج عن الأطر الكلاسيكية من دون أن تفقد مهنيتها. إنّ استخدام "المدخل الإخباري للنقد" في إطار من الحميمية مع المشاهد هو مخاطرة محسوبة تهدف إلى استعادة ثقة المتلقي في الشاشة.
بدوره، يرى حسن بكر أن القوة تكمن في الشمولية. البرنامج لا يريد أن يترك زاوية مظلمة في القصة؛ فالمشاهد يحصل على وجبة متكاملة تشمل الصحافة الدولية، والسجالات الرقمية، والمعطيات الميدانية عبر المراسلين، وصولاً إلى البيانات التحليلية المعقدة. الاستوديو التفاعلي هنا يمثّل أداة لرواية القصة، إذ يوظّف كل بكسل على الشاشة لخدمة المحتوى، ما يجعل المشاهد يرى الحدث من زوايا متعدّدة في وقت واحد.
لعلّ من أبرز ملامح التجديد في "هذا النهار" هي سياسة التعامل مع الضيوف. يؤكد أبو نصيرة أن حضور الضيف ليس فرضاً واجباً أو "حشواً" للهواء، بل هو مرتبط تماماً بـ"قيمة الإضافة". هذه الجرأة في الاستغناء عن الضيف إذا لم يملك جديداً، تمنح مساحة أكبر للمراسلين الذين يعتبرهم البرنامج العمود الفقري للتغطية. هؤلاء المراسلون يقدمون تفاصيل غالباً ما تغيب عن التغطيات الكلاسيكية، مثل قراءة الصحف المحلية من داخل عواصم يصعب الوصول إلى إعلامها، ما يمنح المشاهد شعوراً بالحضور في قلب الحدث.
وهذا ما لاحظناه حين ظهر مراسل التلفزيون في إيران حازم كلاس، ليحدثنا عن الصحف الإيرانية وأبرز عناوينها وما تتناوله في ما يخص وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة الأميركية. ومن جهة أخرى، يطل علينا كبير خبراء الوكالة الدولية للطاقة الذرية سابقاً، يسري أبو شادي، ليوضّح لنا مدى صحة مزاعم دولة الاحتلال الإسرائيلي حول اليورانيوم الإيراني.
يحضر برنامج "هذا النهار" كما لو أننا نتصفح مجلة إخبارية يومية لمدة ساعة، على مدار خمسة أيام في الأسبوع، تنطلق عند التاسعة صباحاً بتوقيت مدينة لوسيل. يطمح "هذا النهار" إلى أن يكون بوصلة صباحية للمشاهد العربي، تُعينه على ترتيب أفكاره وفهم ما يدور حوله من صراعات وتحولات، بأسلوب هادئ وذكي، وبعيد عن الضجيج المفتعل. إنها محاولة جادة لإعادة الاعتبار للخبر التلفزيوني والمجلة البصرية في عصر الترند المتسارع ودفق الأخبار الهائل الخالي من التحقُّق والقراءات المعمقة والتحليل.
