تطريز هايكه فيبر... بلاد الشام بالإبرة والخيط والروح
عربي
منذ 6 أيام
مشاركة
في غاليري زوايا في دمشق، ترتدي هايكه فيبر ثوباً طرّزته لنفسها بإحدى النقشات السورية الملوّنة. تقف وسط أعمالها التي تستعيد خرائط التطريز في بلاد الشام، من الفرات شمالاً وشرقاً، حتى سيناء جنوباً، حتى يتسنى لزائر المعرض أن ينتقل بين الفساتين والعباءات والأوشحة المزركشة، كأنه يعبر جغرافيا متعددة داخل القاعة نفسها. تقول هايكه فيبر لـ"العربي الجديد": "هذا المعرض احتفاء بالتنوع السوري". ترى هايكه فيبر أن هذا التنوع لا يُدركه السوريون أنفسهم بما يكفي، لذلك تسعى، عبر المعرض، إلى إبرازه، واضعةً إلى جانب الأثواب السورية ثوباً فلسطينياً، بوصفه امتداداً طبيعياً لمنطقة واحدة، تقول إنها "أعطت البشرية كثيراً، وكانت دائماً ساحة لصراع الإمبراطوريات التي حاولت أن تنهبها وتبني من خيراتها قصوراً، وفي النهاية راحت القصور وبقيت الأرض والناس"، فيما بقي التراث، في رأيها، شاهداً على وحدة لم تفلح الحدود الحديثة في محوها. كل هذه النقوش ومع القليل من الشروحات والشذرات هنا وهناك، تبدأ الفروق بالظهور، كأنها تعبر عن لاوعي جمعي صاغته علاقة السوريين بالطبيعة، فالأنماط والألوان والغرز تميّز منطقة من أخرى، حتى تلك التي تبدو متشابهة، مثل التطريز الحوراني والفلسطيني. مع ذلك، تصرّ فيبر على أن "كل هذه النقوش سورية" سواء كانت فلسطينية أم لبنانية أم سورية، كلها وليدة هذه المنطقة التي تسمى تاريخياً بلاد الشام، التي أعطت الإنسانية نتاجاً ميثولوجياً ودينياً. وفي رأيها، لا يعترف التطريز بالحدود الحديثة، بل يتجاوز ما فرضه الاستعمار واتفاقية سايكس بيكو، ليحيل على ما تسميه "هوية جامعة". تقولها بلهجة سورية–فلسطينية مكسّرة قليلاً. لدى هايكه فيبر ملامح أوروبية واضحة لا يتطلب اكتشافها عناءً، إلا أنها تستخدم "نا" الجماعة في حديثها عن كل ما هو سوري، فتقول: "آمل أن ننجح في انتزاع اعتراف يونسكو بتطريزنا السوري بوصفه جزءاً من تراثنا اللامادي". هي زوجة رجل فلسطيني، عاشت معه في بداية حياتهما في لبنان، قبل أن ينتقلا عام 1982 إلى دمشق، حيث أنجبت أربعة أبناء يحملون هويات متعددة، فلسطينية وألمانية وسورية، ويعيشون اليوم في الخارج، فيما بقيت هي في دمشق، ولم تغادرها حتى خلال سنوات الحرب التي كانت كفيلة بتهجير ملايين السوريين من بلادهم. في تلك السنوات، واصلت تدريب نساء على التطريز، وفي الوقت نفسه انشغلت بالبحث في تاريخ سورية وأساطيرها الأولى، متتبعةً ما تركته من أثر في الطقوس والعادات الاجتماعية. وخلال ذلك، اكتشفت أنماطاً من التطريز السوري المندثر، ودوّنتها في كتاب يربط بين الجغرافيا وما تنتجه من تراث لامادي. بعد سنوات طويلة أمضتها في تتبّع هذا التراث، حفظاً وتوثيقاً ومحاولةً لفهم ما يختزله من دلالات تتجاوز الزخرفة، ترى هايكه فيبر أن علاقتها بالمكان لم تعد علاقة باحثة فحسب، بل علاقة انتماء تشكّلت عبر الزمن، فهي تعيش في دمشق منذ أكثر من أربعين عاماً، ومع ذلك ظلّت تحتفظ بعينها الأولى؛ عين الغريبة التي تلتقط ما اعتاد عليه أبناء المكان. عند زيارتها الأولى إلى سورية، لفتها عمران دمشق القديمة، والشرفات المتلاصقة وتجاورها مع النهر. تضحك وتقول: "أسرني المكان بينما كان أصحاب هذه البيوت يتذمرون من قدمها أو سرعة اتساخها". كما شدّها إيقاع الحياة داخل البيوت، حيث تقضي النساء ساعات طويلة في الأعمال المنزلية، قبل أن يجلسن إلى التطريز، مسكن أرواحهن. تصف فيبر هذه الممارسة بأنها أقرب إلى عمل روحي، أشبه بالتأمل، وتستعيد في هذا السياق لقاءها بإحدى النساء في إدلب التي أخبرتها أن "روحها تحتاج إلى التطريز"، وهي عبارة بقيت، عندها، تلخّص معنى هذه الممارسة. تتذكر فيبر أن والدتها الألمانية كانت تتقن الحياكة والتطريز، وقد علمتها منذ صغرها اكتشاف الحبكات، لكن الأمر هنا مختلف. فحتى وقت قريب، وقبل أن ننجرف في إيقاع الحياة المتسارع، كان التطريز جزءاً من الحياة اليومية للنساء السوريات، ومع المران يغدو فعلاً تلقائياً، تشير خيوطه وأنماطه إلى جغرافيا محددة؛ فتختلف تطريزات مناطق الأنهار عن تلك التي تنشأ في البيئات الصحراوية. الألوان في أعينهنّ تقول فيبر إن الألوان نفسها تحمل هذا الأثر، فهي "آتية من الطبيعة، وكان الناس يستلهمونها مما يحيط بهم"، وحتى بعد انتشار الأصباغ الصناعية، حافظت النساء على الألوان التي ألفتها أعينهن، مثل درجات الأحمر المائل إلى البني في التطريز الفلسطيني، المرتبطة بقشور الجوز والحنّة في البيئات الجبلية. ومع الوقت، تحوّل هذا الاهتمام إلى عمل منهجي، إذ بدأت بتنظيم دورات تدريبية للفتيات، ولا سيما في المناطق المهمّشة، ساعيةً إلى إحياء تقنيات محلية منسية كانت قد اكتشفتها في سنوات بحثها، ولا تنظر فيبر إلى نفسها بوصفها باحثة خارجية في هذا المجال، بل تؤكد شعوراً متنامياً بالانتماء، فهي ترى نفسها "سورية أكثر من كونها ألمانية"، وهو انتماء يتشكّل، في نظرها، عبر العلاقة الطويلة مع المكان ومع النساء اللواتي عملت معهنّ ومن خلال فهمها العميق للتكوين الثقافي والاجتماعي السوري، وما يحمله تراث المنطقة من "أصالة ونقاء"، بحسب تعبيرها. ومن هنا، ترى أن التطريز لا يمكن فصله عن تاريخه العميق، إذ تشير إلى أن سورية من أغنى بلدان المنطقة في تنوّع الحرف التقليدية، بوصفها نقطة التقاء حضاري، وتستحضر في هذا السياق إشارات وردت في مخطوطات فرعونية إلى مطرزات قادمة من "رتنو"، الاسم الذي أطلقه الفراعنة على منطقة بلاد الشام، ما يعكس، في رأيها، امتداد هذه الحرفة عبر آلاف السنين. في كتابها "عناة وبطلها بعل"، تعود إلى هذا الامتداد، مستعيدةً عناة، الإلهة الكنعانية المرتبطة بالخصب والحياة، وشقيقة بعل وحاميته، لتؤكد أن العمل اليدوي، كما تفهمه، يقوم على الفكرة نفسها أن "التطريز، في جوهره، فعل خلق مستمر، تُنتج من خلاله الحياة، وتُستعاد به قدرة الإنسان على مقاومة الفناء". تقودها هذه الاستعادة إلى الساحل السوري القديم، حيث ارتبطت الأساطير الأولى بحياة البحّارة الفينيقيين صانعي السفن، الذين حملوا اسمهم من لون الأرجوان، ذاك الأحمر القاني المستخرج من البحر، وهو اللون نفسه الذي حفظته خيوط التطريز على الأقمشة، يحتفظ بذاكرة المكان وامتداده عبر الزمن.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية