عربي
لم يعرف قطاع غزة، منذ إعلان وقف إطلاق النار في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول 2025، الشكل التقليدي للهدوء الذي كان يعقب أي حرب أو جولة تصعيد منذ عام 2006 وحتى حرب الإبادة في 7 أكتوبر 2023. ومنذ ستة أشهر، يرفع الاحتلال الإسرائيلي يومياً من وتيرة القصف والاغتيالات وعمليات الاستهداف التي تطاول الفلسطينيين في غزة بشكل مبني على ذرائع أمنية وآخر غير مبني على أي ذرائع كما يجري خلال الشهر الأخير. ويُعتبر الشهران الأخيران الأكثر حدة في وتيرة القصف الإسرائيلي والانتهاكات بأشكالها المتنوعة، سواء عبر القصف الجوي والمدفعي أو التضييق على السكّان في إدخال المساعدات والشاحنات التجارية وحركة المعابر.
ولا تفارق الطائرات الحربية الإسرائيلية والمسيّرات ومنظومات التجسس أجواء قطاع غزة على مدار الساعة، في إطار الجهد الاستخباري الإسرائيلي لجمع بنك أهداف وتنفيذ عمليات قصف واغتيال تطاول كوادر وقيادات في الأذرع العسكرية للفصائل الفلسطينية. ويومياً يتم تسجيل سقوط شهداء جرّاء عمليات القصف التي تتم في مختلف مناطق القطاع، حيث تستهدف مدنيين أو مقاومين أو كوادر في الشرطة والأجهزة الأمنية، علاوة على عمليات النسف والحفر التي تتم في المناطق الواقعة قرب "الخط الأصفر".
القطاع يواجه أزمات خانقة ومركبة نتيجة القيود الإسرائيلية المتواصلة
وبالتوازي مع ذلك، شهد الأسبوع الحالي عودة الاحتلال الإسرائيلي إلى إلقاء مناشير في بعض مناطق مدينة غزة وتحديداً مخيم الشاطئ، والسعي لتوجيه رسائل ذات أبعاد تحريضية على حركة حماس والمقاومة الفلسطينية. ويعكس هذا النمط سلوكاً إسرائيلياً كان معتاداً خلال فترة حرب الإبادة على القطاع، حيث حملت المنشورات الأخيرة رسائل من ضابط في جهاز الأمن العام (شاباك) تحت مسمى "أبو هيثم" بعودته للمدينة من جديد.
ومع توقف الحرب بين إسرائيل والولايات المتحدة مع إيران، بات الفلسطينيون أكثر خشية من اتجاه الاحتلال نحو زيادة التركيز على جبهة القطاع من جديد، لا سيما مع ارتفاع وتيرة العمليات العسكرية بشكل ملحوظ. ويعاني القطاع أخيراً من سلسلة من الأزمات، أبرزها الخبز، وسط بوادر في نقص الطحين، إلى جانب الأزمات التي تعصف بالمستشفيات كنقص الزيوت التشغيلية للمولدات وشحّ الوقود وتحكّم الاحتلال في أعداد الشاحنات.
أزمات مركبة في غزة
وتعليقاً على هذا الوضع، قال مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي إسماعيل الثوابتة إن ما يشهده القطاع منذ إعلان وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر 2025 لا يمكن وصفه بحالة "هدوء"، بل هو أقرب إلى حرب منخفضة الوتيرة، مستمرة وممنهجة. وأضاف الثوابتة لـ"العربي الجديد"، أن الاحتلال ارتكب، على مدار نحو ستة أشهر، أكثر من 2400 خرق لاتفاق وقف إطلاق النار، تنوعت بين إطلاق نار مباشر، وقصف واستهداف، وتوغلات عسكرية، وعمليات نسف للمنازل، ما يعكس، بحسب قوله، "سلوكاً عدوانياً مستمراً لا يمت بصلة لأي التزام قانوني أو إنساني". وتابع أن هذه الخروق أسفرت عن استشهاد أكثر من 757 فلسطينياً منذ سريان الاتفاق، مشيراً إلى أن الغالبية الساحقة من الضحايا من المدنيين بنسبة تصل إلى 99%، بينهم 312 من الأطفال والنساء والمسنين، إلى جانب إصابة 2111 آخرين.
وأكد أن قطاع غزة يواجه أزمات خانقة ومركبة نتيجة القيود الإسرائيلية المتواصلة، لافتاً إلى شحّ حاد في دخول المساعدات، حيث لم يُسمح إلا بإدخال نحو 37% فقط من الشاحنات المفترض دخولها، إضافة إلى أزمة وقود خانقة لم يتجاوز الالتزام فيها 14% من الكميات المتفق عليها.
وأشار الثوابتة إلى استمرار إغلاق معبر رفح أو التشغيل الجزئي له بنسبة التزام لا تتجاوز 7%، ومنع إدخال المعدات الثقيلة ومواد الإيواء والخيام، ما يفاقم معاناة مئات آلاف النازحين، فضلاً عن تعطيل إدخال المستلزمات الطبية والأدوية وزيوت المحركات، الأمر الذي ينعكس سلباً على مختلف القطاعات الحيوية، في ظل استمرار توقف محطة الكهرباء وتدهور البنية التحتية.
وشدّد الثوابتة على أن مستوى التزام الاحتلال باتفاق وقف إطلاق النار "شكلي ومنقوص إلى حد كبير"، إذ لم تتجاوز نسب الالتزام في بعض البنود الحيوية مستويات متدنية للغاية، مع إخلال كامل ببنود أساسية، مثل الانسحاب، وإدخال المعدات، واحترام الخطوط المتفق عليها.
وخلال الأسبوعين الماضيين، عقدت حركة حماس والفصائل الفلسطينية لقاءات مع الممثل السامي لـ"مجلس السلام" نيكولاي ملادينوف، لبحث المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، غير أن الفصائل تمسكت باستكمال تنفيذ بنود المرحلة الأولى كاملة ورفض مناقشة ملف السلاح بالطريقة التي طرحها ملادينوف.
أحمد عطاونة: أحد أهداف التصعيد يتمثل في منع الفلسطينيين من الشعور بالأمن والاستقرار
ضغط نفسي ومعنوي
إلى ذلك، قال مدير مركز رؤية للتنمية السياسية، أحمد عطاونة، إن التصعيد الجاري في قطاع غزة يرتبط بجملة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها طبيعة سلوك الاحتلال القائم على استهداف الوجود الفلسطيني بشكل دائم. وأوضح عطاونة لـ"العربي الجديد"، أن أحد أهداف هذا التصعيد يتمثل في منع الفلسطينيين من الشعور بالأمن والاستقرار، حتى ضمن المساحة الجغرافية المحدودة المتبقية من قطاع غزة، والتي لا تتجاوز 40% من مساحته، مشيراً إلى أن الاحتلال يسعى إلى إبقاء حالة من الضغط النفسي والمعنوي المستمر، بما يخدم محاولات ابتزاز الفصائل الفلسطينية لفرض شروط تتعلق بالمرحلة الثانية، وعلى رأسها نزع سلاح المقاومة.
ورأى أن استهداف الأجهزة الشرطية في القطاع يندرج ضمن مساعٍ لخلق حالة من الفوضى، بما يسهّل عمل مجموعات مسلحة مرتبطة بالاحتلال، ويمنحها غطاءً أو مبرراً للتحرك داخل القطاع، وهو ما قد يفضي إلى تكريس حالة من الانفلات الأمني تُستخدم لاحقاً للضغط على الفلسطينيين أو شرعنة تدخلات من هذا النوع.
وفي ما يتعلق باحتمالات تجدد الحرب، رأى عطاونة أن الاحتلال يبدو معنياً بالعودة إلى التصعيد الواسع، مستنداً إلى اعتقاده بأن الظروف لا تزال مؤاتية لاستكمال أهدافه، سواء ما يتعلق بملفات التهجير والسيطرة الكاملة على قطاع غزة، أو تجريد الفصائل الفلسطينية من سلاحها. وأشار إلى أن غياب إنجازات سياسية على المستوى الإقليمي، خصوصاً في ما يتعلق بملفي إيران ولبنان، قد يدفع الاحتلال لمحاولة تحقيق مكاسب في غزة، لافتاً إلى أن السياق السياسي الداخلي في إسرائيل يلعب دوراً إضافياً، في ظل اقتراب الانتخابات المقررة في أكتوبر المقبل، وتشكّل القضية الفلسطينية، تاريخياً، مادة انتخابية للأحزاب الإسرائيلية.
ووفق مدير مركز رؤية للتنمية السياسية، فإن من بين أهداف التصعيد أيضاً ممارسة ضغط مباشر على فصائل المقاومة لدفعها نحو القبول بالانتقال إلى المرحلة الثانية وفق الرؤية الإسرائيلية ـ الأميركية، والتي تتمحور حول نزع سلاح المقاومة، مؤكداً أن احتمالات عودة الحرب تبقى مرتفعة في ضوء هذه المعطيات. وأعرب عن اعتقاده بأن هامش المناورة محدود ومعقّد بالنسبة للفصائل الفلسطينية، في ظل الظروف الإقليمية والدولية الراهنة، إلا أن الخيارات المتاحة تبقى محصورة في الصمود والثبات، والعمل على حماية الشعب الفلسطيني قدر الإمكان، في مواجهة سياسات تستهدف وجوده وهويته الوطنية بشكل مباشر.

أخبار ذات صلة.
اليمن: أسعار المياه تقفز 50%
العربي الجديد
منذ 22 دقيقة